الانتفاضة // بقلم: محمد السعيد مازغ
قد تكون العطلة بالنسبة للموظف أو التاجر مناسبةً للانفصال المؤقت عن روتين العمل، واستعادة التوازن النفسي والبدني. لكن بالنسبة لرجل السلطة، سواء كان باشا أو قائدًا، فالأمر يبدو أكثر تعقيدًا. فالمسؤولية هنا لا تتوقف عند نهاية الدوام، بل تمتد إلى ساعات الليل، وعطلات نهاية الأسبوع، بل وحتى أيام العطلة السنوية. رجل السلطة يظل على اتصال دائم بمحيطه الإداري والاجتماعي، ويعيش في حالة من “الاستعداد اليقظ”، بين مقتضيات النص القانوني، ومتطلبات الواقع الميداني. يقول الدكتور محمد محاسن، وهو باحث في الشأن الإداري: “لا يوجد حد فاصل بين المسؤولية والراحة في حياة القائد…لكن نبض القيادة يمنعه من الخلود إلى السكون التام.”.
لا أحد يطلب من القائد أن يحوّل عطلته إلى مكتب متنقّل، لكن المتوقّع هو إتقان فنّ “الراحة اليقظة” التي تضمن التوازن بين صيانة الذات والاستمرار في أداء الواجب، من خلال المتابعة الذكية عن بُعد، والتدخل عند الحاجة، والتفويض السليم الذي يحفظ سير العمل ويحمي الفريق من الارتباك أو الشعور بالفراغ. إن القائد الناجح ليس فقط من يحضر، بل من يُحسن الغياب أيضًا، دون أن يغيب الأثر. حضوره وغيابه يجب أن يكونا مؤثّرين، لا عبئًا على الإدارة ولا فراغًا يشعر به المواطن. فاحترام القانون وتطبيقه بعدالة، وخلق بيئة من الثقة والاحترام، هو ما يجعل المواطن نفسه شريكًا في حفظ النظام لا مجرد متلقٍّ للتعليمات. وفي هذا الإطار، يضيف الدكتور محاسن: “العطلة حق إنساني لا غبار عليه، والراحة ضرورة لا غنى عنها. القائد الحق هو الذي يعرف متى يطفئ ضوء منارته ليستعيد طاقته، حتى لا يترك البحر في ظلام دامس يتيه فيه كل مرتاديه.”.
في مدينة مراكش ، كما في مدينة الصويرة، يعترف عدد من الفاعلين المحليين والمواطنين بالكفاءة العالية لبعض نساء ورجال السلطة، الذين عرفوا كيف يوازنوا بين الحزم والمرونة، وبين المسؤولية والإنصات، وساهموا بشكل واضح في جودة الخدمات، وسلاسة تدبير الشأن اليومي داخل دوائرهم. هؤلاء، بحضورهم وحتى في انتقالهم إلى مدن مغربية أخرى أو تقاعدهم، ظلّوا نموذجًا في المسؤولية المهنية، وأثبتوا أن القيادة ليست فقط موقعًا، بل أسلوبًا في الأداء والتفاعل والتواصل.
التعليقات مغلقة.