الانتفاضة/ بقلم: سيداتي بيدا
لم تعد القوة العسكرية الأمريكية تُقاس بعدد حاملات الطائرات أو المقاتلات العابرة للقارات، بل أصبحت تُختبر بقدرتها على الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي في زمن تتعدد فيه بؤر الصراع وتتسارع فيه وتيرة الاستنزاف. ومن هذا المنطلق، أثارت التقارير التي تحدثت عن مواجهة محتدمة داخل منتجع كامب ديفيد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث اهتمامًا واسعًا، بعدما ربطت الخلاف بأزمة تتعلق بتراجع مخزون الذخائر والصواريخ الاعتراضية، قبل أن يسارع البيت الأبيض والبنتاغون إلى نفي تلك الروايات بصورة قاطعة.
غير أن النفي الرسمي لم ينجح في إخماد الجدل، بل فتح الباب أمام تساؤلات أكثر عمقًا حول حقيقة الوضع اللوجستي للترسانة الأمريكية. فالتاريخ العسكري يؤكد أن الإمبراطوريات لا تتراجع بسبب نقص الإرادة السياسية، وإنما حين تعجز مصانعها ومستودعاتها عن مواكبة إيقاع الحروب الطويلة.
لقد فرضت النزاعات المتلاحقة على الولايات المتحدة استنزافًا غير مسبوق لمخزونها الدفاعي، سواء عبر دعم الحلفاء أو تعزيز انتشارها العسكري في مناطق التوتر. ومع ارتفاع الطلب على الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة، باتت الصناعات الدفاعية تواجه تحديًا متزايدًا لتأمين الإمدادات بالوتيرة المطلوبة، وهو ما يجعل أي خلل في المخزون مسألة تتجاوز الجانب العسكري لتتحول إلى قضية تمس الأمن القومي وهيبة الردع الأمريكي.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز صراع صامت بين القرار السياسي والحسابات العسكرية. فالقيادة السياسية تسعى إلى إظهار صورة القوة القادرة على خوض أكثر من مواجهة في وقت واحد، بينما تدرك المؤسسة العسكرية أن أي حرب طويلة لا تُحسم بالخطب الرنانة، بل بقدرة خطوط الإنتاج على تعويض ما يُستهلك في الميدان.
وتكمن خطورة المشهد في أن الخصوم يراقبون هذه المؤشرات بدقة. فكل إشارة إلى ضغط على المخزون أو بطء في تعويض الذخائر قد تُقرأ باعتبارها فرصة لاختبار حدود القوة الأمريكية، وهو ما قد يشجع على مزيد من التصعيد في أكثر من ساحة دولية.
كما أن النفي الحازم الصادر عن الإدارة الأمريكية يعكس إدراكًا لحساسية الرسائل الاستراتيجية التي قد يحملها الاعتراف بأي أزمة داخل الترسانة العسكرية، لأن صورة القوة في عالم السياسة الدولية لا تقل أهمية عن القوة نفسها، وأي اهتزاز في تلك الصورة قد ينعكس على حسابات الحلفاء والخصوم معًا.
في النهاية، سواء كانت رواية الخلاف داخل كامب ديفيد دقيقة أم مجرد تسريبات غير مؤكدة، فإنها أعادت طرح سؤال بالغ الخطورة: هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في إدارة أزمات متزامنة عبر العالم دون ان تقع في فتح الاستنزاف العسكري ؟
انه سوال لا يتعلق بإدارة امريكية بعينها بل بمستقبل النظام الدولي كله في مرحلة ترتفع فيها طبول الحرب بوتيرة أسرع من قدرة مصانع السلاح على تعويض ما نبتلعه ساحات القتال.