الانتفاضة/ محمد جرو
أثار الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتطوان، والقاضي بإدانة خمسة من سائقي سيارات الأجرة من الصنف الأول بالسجن النافذ لمدة ستة أشهر، إضافة إلى غرامات مالية، بتهمة “تسهيل الخروج السري” في قضية مرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية نحو باب سبتة، موجة واسعة من ردود الفعل في الأوساط المهنية والحقوقية والنقابية، وسط استمرار النقاش حول حدود المسؤولية القانونية لسائقي سيارات الأجرة وطبيعة التهم الموجهة إليهم.
وتأتي هذه القضية في سياق حساس أعقب الأحداث التي شهدتها منطقة باب سبتة نهاية الشهر الماضي، والتي عرفت محاولة جماعية لعبور الحدود، وأسفرت عن وفاة أكثر من 149 مواطنا مغربيا، وفق المعطيات الواردة في الملف. وقد أعادت هذه المأساة إلى الواجهة النقاش حول شبكات الهجرة غير النظامية والمسؤوليات المختلفة المرتبطة بهذه الظاهرة.
واعتبر عدد من مهنيي قطاع سيارات الأجرة أن السائقين كانوا يزاولون عملهم المعتاد المتمثل في نقل الزبائن مقابل تعريفة قانونية، مؤكدين أنه لم يصدر أي قرار رسمي يمنع نقل المواطنين إلى وجهات معينة داخل التراب الوطني، كما أن التحقق من هويات الركاب أو استجوابهم بشأن وجهاتهم أو نواياهم لا يدخل ضمن اختصاصات سائق سيارة الأجرة، وإنما يبقى من صميم مهام الأجهزة الأمنية والإدارية المختصة.
من جانبها، دخلت جهات نقابية وحقوقية على خط القضية، حيث أصدرت نقابة FDT بيانا تضامنيا مع السائقين، اعتبرت فيه أن ظروف المحاكمة تستدعي النقاش، خاصة في ظل استمرار إضراب المحامين وما ترتب عنه من غياب الدفاع خلال بعض مراحل المتابعة، على خلفية الخلاف القائم بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة، وهو الملف الذي ما يزال محل نقاش قانوني ومؤسساتي.
ويرى متابعون أن القضية تثير إشكالات قانونية تتعلق بتكييف الأفعال المنسوبة إلى المتابعين، ومدى توافر العناصر القانونية اللازمة لإثبات تهمة المساهمة في الهجرة غير النظامية، خاصة أن الأحداث كانت علنية وموثقة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يدفع بعض الأصوات إلى المطالبة بإجراء تحقيقات شاملة لتحديد مختلف المسؤوليات المرتبطة بهذه الوقائع.
وفي المقابل، يبقى الفصل في هذه القضية من اختصاص السلطة القضائية التي تعتمد على الوقائع والأدلة المعروضة أمامها وفق القانون، مع بقاء حق المحكوم عليهم في سلوك مساطر الطعن القانونية المتاحة. وبين المواقف المتباينة، تتواصل الدعوات إلى ضمان شروط المحاكمة العادلة، وإلى معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية من خلال مقاربة شاملة تعالج أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، مع تحديد المسؤوليات على أساس القانون بعيداً عن أي أحكام مسبقة.