كيف تصل جمعية خيرية إلى من لا تصل إليه وزارة بميزانية!

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

على مواقع التواصل الاجتماعي، تمر أمامنا باستمرار صور ومقاطع لجمعيات مدنية، أغلبها مبادرات يقودها شباب، وهي تشق طريقها نحو قرى ودواوير بعيدة، تحمل معها ما استطاعت جمعه من مساعدات غذائية وملابس وأدوية وأدوات مدرسية، وتنظم قوافل طبية، وأنشطة ثقافية وترفيهية للأطفال، وإفطارات خلال رمضان، وحملات تحسيسية، وزيارات لفئات توجد في ظروف خاصة، وغيرها من المبادرات التي قد تبدو بسيطة في شكلها، لكنها تترك أثراً كبيراً في الأماكن التي تصل إليها.

هذه الجمعيات لا تملك وزارة، ولا سلطة، ولا نفوذاً إدارياً، ولا ميزانيات ضخمة، ولا برامج حكومية، ولا أسطولاً من السيارات والمعدات، وفي أحيان كثيرة لا تملك حتى مقراً لائقاً للعمل.

تملك فقط مجموعة من الشباب، ورغبة في فعل شيء، وبعض المحسنين الذين يثقون في مبادراتها، ووقتاً وجهداً واستعداداً لتحمل مشقة الطريق

ومع ذلك تصل.تصل إلى الدوار الذي يحتاج إلى مساعدة، وإلى المدرسة التي ينتظر أطفالها أدوات مدرسية، وإلى الأسرة التي تحتاج إلى مواد غذائية، وإلى المريض الذي لم يجد من يصل إليه، وإلى الأطفال الذين قد لا يعرفون كثيراً من مظاهر الأنشطة التي يعيشها أقرانهم في المدن.

بل إن بعض المبادرات المدنية تمكنت من حفر آبار، أو المساهمة في إصلاح مسالك، أو توفير الإنارة في أماكن معينة، أو إيصال خدمات طبية وأدوية إلى مناطق نائية، بتنسيق مع أطباء ومتطوعين ومحسنين وجمعيات أخرى، وهنا تبدأ المفارقة التي يصعب تجاوزها !

كيف تستطيع جمعية بسيطة، بإمكانيات محدودة، أن تصل إلى مواطن في مكان بعيد، بينما قد تعجز عنه مؤسسة تملك المال والسلطة والموارد والبرامج؟

كيف يستطيع متطوع أن يجد الطريق إلى دوار بعيد، وأن يبحث عن طبيب، وأن يجمع الدواء، وأن يؤمن وسيلة النقل، وأن يطرق أبواب المحسنين، ثم يصل في النهاية إلى طفل ينتظر أو مريض يحتاج أو أسرة تعيش ظروفاً صعبة، بينما تظل بعض الحاجات نفسها قائمة لسنوات؟هل المشكلة في الإمكانيات؟

يصعب قول ذلك دائماً، فالجمعية التي لا تملك ميزانية حكومية تستطيع أن تتحرك بما لديها، وتبحث عن شخص يتبرع، وعن طبيب يتطوع، وعن سيارة تنقل المساعدات، وعن آلية تساعد في حفر بئر، وعن فاعل خير يساهم بما يستطيع، لا تنتظر أن تتوفر لها كل الشروط حتى تبدأ، إنها تبدأ بما لديها وبما استطاعت توفيره، وهنا يصبح السؤال أكبر من مسألة الإمكانيات.

فهل المشكلة في طريقة العمل؟ أم في تحديد الأولويات؟

هل المشكلة في أن الوصول إلى المواطن البعيد لا يحظى دائماً بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به المشاريع والمجالات التي تبدو أكثر حضوراً في المدن؟ أم أن هناك شيئاً آخر لا تستطيع الأرقام والميزانيات وحدها تفسيره؟ربما تكون الإجابة الأكثر إزعاجاً هي أن المال وحده لا يصنع الأثر، وأن وجود الإمكانيات لا يعني بالضرورة وجود الرغبة الكافية في الوصول إلى من يحتاجها،

لأن الجمعية الصغيرة حين تنطلق نحو دوار بعيد، لا يكون لديها ما تخسره سوى الوقت والجهد.

أما حين تصل، فإنها تكون قد حققت شيئاً واضحاً: طفل فرح بحقيبة مدرسية، مريض حصل على فحص أو دواء، أسرة تلقت ما تحتاجه، قرية استفادت من مبادرة، أو أطفال عاشوا يوماً مختلفاً عن الأيام التي اعتادوا عليها، وهذا بالضبط ما يجعل المقارنة موجعة أكثر.

ليس لأن الجمعية تستطيع أن تقوم مقام المسؤولين، ولا لأن العمل المدني يمكن أن يحل محل المؤسسات، فهذا ليس دورها أصلاً، بل لأن المجتمع المدني يكشف أحياناً، من حيث لا يقصد، الأماكن التي ما زالت تحتاج إلى حضور أكبر للمؤسسات، هذا إن كان متواجدا بالأساس.

فحين يستطيع متطوعون أن يصلوا إلى منطقة نائية، فهذا يعني أن الوصول إليها ممكن

وحين يستطيع محسنون أن يمولوا مبادرة صغيرة، فهذا يعني أن الحاجة موجودة وأن من ينصبون مسؤولين عن المال العام وهو لا يقارن بمال المحسنين يمكنهم القيان بأضعاف وأضعاف ذلك.

وحين تستطيع جمعية أن تجمع أطباء ومتطوعين وأدوية ووسائل نقل، فهذا يعني أن هناك حلولاً يمكن ابتكارها إن وُجدت الرغبة الحقيقية لذلك.

فلماذا يكون المريض محتاجاً إلى قافلة تطوعية حتى يصل إليه فحص طبي؟

ولماذا تظل بعض الأسر في انتظار يد محسن حتى تصلها أشياء أساسية؟

ولماذا يصبح الطريق إلى هذه المناطق سهلاً بالنسبة إلى جمعية من بضعة أشخاص، وصعباً بالنسبة إلى مؤسسات تملك من الوسائل ما لا تملكه الجمعية بأضعاف مضاعفة؟

قد لا تكون الإجابة واحدة

وقد تكون هناك أسباب مرتبطة بالإدارة، وبعد المسافات، وطبيعة التضاريس، وتعدد الأولويات، وتعقيد التدخل العمومي، لكن لماذا تجد لها القلوب الراغبة في تقديم الخدمة لمن يفتقرون إليها الحلول المناسبة؟ ما الوازع الداخلي الذي يتوفرون عليه هؤلاء الأفؤاد ويجعلهم يحققون المستحيل بأبسط الطرق، في حين يعجز غيرهم ؟ ما الوازع الذي يحرك فيهم الإرادة الحقة للعمل الجاد والتطوع والتضحية بالوقت والجهد لأهداف غير ربحية ويغير عن من يفترضُ فيهم؟

ا ليس هؤلاء من يُفترض بهم التّغني بخدمة المواطن، ويليق بهم لفظها؟

ان السؤال الحقيقيليس من يملك المال؟ بل: من يملك الرغبة الحقيقية في أن يصل بهذا المال إلى أبعد نقطة؟

الجمعية الصغيرة لا تملك سلطة القرار، لكنها تملك شيئاً آخر: أشخاصاً أرادوا وقرروا أن يذهبوا

والمحسن لا يملك حقيبة وزارية، لكنه يملك الرغبة في أن يصل ماله إلى من يحتاجه

والطبيب المتطوع لا يملك مستشفى، لكنه قرر أن يحمل خبرته إلى مكان لا يصل إليه كثيرون

والشاب الذي يترك مدينته ويتجه إلى دوار بعيد لا يملك برنامجاً حكومياً، لكنه يملك اقتناعاً بأن شيئاً ما يجب أن يُفعل

فإذا كانت الرغبة قادرة على تحريك أشخاص لا يملكون شيئاً تقريباً، فماذا يمكن أن يفعل حضور الرغبة نفسها حين تجتمع معها السلطة والميزانية والوسائل؟

ربما هنا يكمن الجواب الذي نبحث عنه

ليس في حجم الميزانية فقط، ولا في عدد البرامج، ولا في عدد الاستراتيجيات، وإنما في مقدار الرغبة الحقيقية في أن يصل أثرها إلى الإنسان الذي يوجد في آخر الطريق.

ذلك الإنسان الذي لا يملك صوتاً عالياً، ولا يستطيع أن يأتي إلى العاصمة ليطالب بحقه، ولا يملك منبراً على مواقع التواصل، ولا يستطيع أن يطرق أبواب المسؤولين كل يوم، لكنه موجود وأسرته، وينتظر بأمل أن يصل إليه أحد، ينتظر أن يشعر أنه جزء من عالم يبدو بعيدا ومختلفا وصعب المنال كحلم اليقظة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.