ايعود المرشحون إلى الدواوير نفسها حين يحلّ الشتاء؟

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

فجأة، تبدو الدواوير البعيدة أقرب مما كانت عليه طوال السنوات الماضية، وتصبح المسالك الجبلية والطرق القروية جزءاً من خريطة التحرك الانتخابي، وتصل السيارات والوفود والمرشحون ووكلاء اللوائح إلى مناطق ظلت، في أوقات كثيرة، خارج دائرة الزيارات السياسية المنتظمة.

إنها مفارقة الانتخابات التي تتكرر كلما اقترب موعد الاقتراع: طرقٌ يعرفها السياسيون جيداً في شهر شتنبر، وقرى يصلون إليها في عز الحملة الانتخابية، وبيوت يطرقون أبوابها طلباً للأصوات، وسكان يُستمع إلى مطالبهم لساعات أو دقائق، قبل أن ينتهي كل شيء بانتهاء الصناديق.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هذه المرة ليس فقط: كم مرشحاً وصل إلى هذا الدوار؟ بل: هل يستطيع المرشح نفسه أن يعود إلى المكان ذاته في نونبر أو دجنبر أو يناير أو فبراير؟هل يستطيع أن يسلك الطريق نفسه عندما تتحول الأمطار إلى سيول، وعندما تنقطع المسالك، وتصبح بعض القناطر عاجزة عن الصمود أمام قوة المياه، وتتحول الطريق غير المعبدة إلى مسلك موحل يصعب على السيارات اجتيازه؟

وهل يستطيع أن يقف في المكان نفسه عندما ينخفض مستوى الحرارة، وتتساقط الثلوج في المناطق الجبلية، ويصبح الوصول إلى بعض الدواوير رحلة شاقة لا تشبه أبداً جولة انتخابية في شتنبر؟

السؤال هنا ليس موجهاً إلى مرشح بعينه، ولا إلى حزب دون آخر، وإنما إلى صورة أوسع عن علاقة السياسة بالمناطق القروية والنائية: لماذا تكون هذه المناطق حاضرة بقوة عندما تكون الأصوات مطلوبة، بينما تصبح مشاكلها أكثر تعقيداً عندما تنتهي الحاجة إلى الأصوات؟

المفارقة أن المشكلة ليست دائماً في مشاريع ضخمة تحتاج إلى سنوات طويلة وميزانيات هائلة، فهناك دواوير يختصر سكانها مطالبهم في أشياء تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إليهم تعني الفرق بين العزلة والتواصل، وبين الوصول إلى المدرسة أو المستشفى وبين البقاء عالقين داخل الدوار.

طريق يحتاج إلى فتح مسلك، أو إصلاح مقطع متضرر، أو إزالة الأوحال والأتربة، أو تأمين عبور نقطة خطرة، أو توفير الوسائل الضرورية للتدخل عند انقطاع الطريق.

ففي بعض المناطق، يصل الأمر إلى مبادرات محلية وأفراد مستعدين للمساهمة بآليات الحفر أو المعدات من أجل فتح المسالك أو تهيئتها بالحد الأدنى، لكن حتى هذه المبادرات تصطدم أحياناً بكلفة الوقود التي تجعل تشغيل الآليات نفسها مشكلة إضافية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كان هناك من يملك الآلة، ومن يملك الاستعداد للعمل، ومن يملك الإرادة لفتح الطريق، فما الذي يمنع على الأقل توفير الوقود اللازم لإنجاز هذا العمل؟

الطريق في الدوار النائي ليست مجرد إسفلت أو تراب معبّد، إنها طريق الطفل إلى المدرسة، وطريق المريض إلى المستشفى، وطريق المدرس إلى القسم، وطريق المرأة الحامل إلى مركز صحي، وطريق الفلاح إلى السوق، وطريق سيارة الإسعاف حين تكون كل دقيقة فاصلة بين الوصول وإنقاذ حياة أو التأخر عن ذلك.

إن المغرب اليوم، ليواجه أيضاً مخاطر متزايدة مرتبطة بالفيضانات والانزلاقات وغيرها من الظواهر المناخية، وهو ما يجعل صمود البنية التحتية المحلية وقدرتها على الاستمرار في خدمة السكان خلال الظروف الصعبة قضية تتجاوز مجرد الراحة أو سهولة التنقل، لهذا لربما ،تستحق الحملات الانتخابية اختباراً مختلفاً

ليس اختبار مكبرات الصوت، ولا عدد السيارات في الموكب، ولا عدد الصور الملتقطة أمام السكان، ولا عدد اللقاءات التي تُعقد خلال أيام قليلة، بل اختبار الطريق.

ليجرب المرشح أن يغادر المدينة في عز الشتاء، وأن يتجه إلى الدوار نفسه الذي زاره في الحملة، وأن يسلك المسلك نفسه بعد ليلة ممطرة، وأن يبحث عن القنطرة التي قد تكون جرفتها السيول، وأن يقف أمام الطريق التي لا تستطيع سيارة عادية عبورها، وأن يسأل عن سيارة الإسعاف التي لا تصل، وعن التلميذ الذي يقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام، وعن الأسر التي تصبح معزولة عندما تشتد الأمطار أو تتساقط الثلوج، هناك فقط يمكن أن تتغير زاوية النظر!

فالصور الانتخابية في شتنبر قد تُظهر مرشحاً يصل إلى أبعد نقطة، لكن الشتاء وحده يستطيع أن يكشف ما إذا كانت تلك النقطة مرتبطة فعلاً بالعالم الخارجي، أم أن الطريق إليها لا يعمل إلا عندما تكون الظروف الجوية والسياسية معاً مواتية،

والأهم أن سكان هذه الدواوير لا يطلبون بالضرورة المستحيل، فقد يكون مطلبهم طريقاً صالحاً للعبور، أو وسيلة نقل مدرسية تستطيع الوصول إليهم، أو ممراً لا تقطعه السيول، أو وقوداً لتشغيل آلية ستفتح الطريق، أو تدخلاً سريعاً عندما تغلق الأمطار المسلك، مطالب صغيرة في أعين من يعيشون بعيداً عن تلك المناطق، لكنها تصبح قضايا حياة يومية بالنسبة لمن يعيشون هناك.

ولهذا، فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً على كل من يجوب الدواوير اليوم بحثاً عن ثقة السكان هو سؤال بسيط جداً: هل ستعودون إلى المكان نفسه بعد الانتخابات، عندما لا تكون هناك كاميرات ولا لافتات انتخابية ولا أصوات تُطلب؟

وهل ستعودون إليه عندما يصبح الطريق أصعب، والبرد أقسى، والمطر أغزر، والسيول أقوى؟

فالدواوير لا تتوقف عن الوجود بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، ومشاكلها لا تدخل في عطلة بمجرد انتهاء الحملة، والطفل الذي يمشي اليوم في طريق وعرة للوصول إلى المدرسة لن يصبح طريقه أكثر سهولة لمجرد أن الانتخابات انتهت.

وربما يكون أكثر ما تحتاجه هذه المناطق اليوم ليس جولة انتخابية جديدة، وإنما جولة ميدانية في الوقت الذي تكون فيه الطريق في أسوأ حالاتها.

هناك، بعيداً عن المنصات والخطب، يمكن أن يبدأ النقاش الحقيقي حول معنى أن تكون منطقة ما جزءاً من الوطن، لا فقط جزءاً من الخريطة الانتخابية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.