الانتفاضة
ليس أخطر على الأحزاب التاريخية من أن تتحول إلى فاعل دفاعي.
والبلاغ الأخير الصادر عن المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يكشف، في شقه الاجتماعي والتنظيمي، عن هذا التحول المقلق: من موقع المبادرة إلى موقع التحصين.
البلاغ أراد أن يبدو هجوميًا، لكنه في العمق دفاعي.
أراد أن يطمئن القواعد، لكنه كشف حجم التوتر الداخلي. وأراد أن يحدد الخصوم، لكنه لم يحسم بعد في تحديد مكمن أزمته.
أولاً: خطاب اجتماعي بلا مخالب سياسية
صحيح أن البلاغ تحدث بلهجة قوية عن غلاء الأسعار، وعن الاحتكار، وعن تضارب المصالح. لكن قوة اللغة لا تعني قوة الموقف.
فالخطاب الاجتماعي، رغم حدته، بقي في مستوى التوصيف الأخلاقي للأزمة، لا في مستوى البناء السياسي لبديل ملموس.
لم يقدم البلاغ مبادرة تشريعية واضحة، ولا خطة تعبئة اجتماعية، ولا تصورًا لتحويل الغضب الشعبي إلى قوة اقتراحية منظمة.
بدا الحزب كأنه يعلّق على الأزمة من خارجها، لا كفاعل يسعى إلى قيادتها.
وهذا فارق جوهري بين حزب يحتج وحزب يؤطر الاحتجاج.
ثم إن التركيز على فئات مهنية منظمة يعكس استمرار تموقع الحزب داخل دائرة النخب المؤطرة، دون اختراق حقيقي للكتلة الاجتماعية الواسعة المتضررة من السياسات الاقتصادية.
وكأن الحزب لا يزال يتحرك داخل فضائه التقليدي، بينما المجتمع تغير.
ثانياً: سردية “الحملة الممنهجة” …
حين يصبح النقد تهديدًا
الشق التنظيمي في البلاغ هو الأكثر دلالة.
الحديث عن “تكالب جهات”، و”زعامات الإحباط الديمقراطي”، و”عقود الإذعان” يعكس ذهنية حصار.
لكن السؤال الصريح الذي يجب طرحه هو:
هل يعيش الحزب حملة فعلية؟ أم يعيش أزمة ثقة؟
هناك فرق كبير بين أن تُستهدف لأنك قوي، وبين أن تُنتقد لأنك لم تُقنع.
إعادة إنتاج سردية المؤامرة أو الحملة الممنهجة قد تؤدي وظيفتها التعبوية داخليًا، لكنها تحمل مخاطر استراتيجية:
تحويل النقاش الداخلي إلى معركة خارجية.
الخلط بين الخصم السياسي والناقد الإصلاحي.
ترسيخ ثقافة تنظيمية تعتبر الاختلاف تهديدًا لا فرصة.
عندما يُستدعى خطاب الدفاع عن “القيادة المنتخبة ديمقراطياً” كلما ارتفع منسوب النقد، فإن ذلك يوحي بأن الشرعية الانتخابية تُستعمل كدرع، لا كأرضية للمساءلة.
الديمقراطية الداخلية لا تُقاس فقط بطريقة الانتخاب، بل بقدرة التنظيم على استيعاب النقد دون شيطنته.
ثالثاً: دعوة اليسار…
من موقع الشريك أم من موقع الوصاية؟
البلاغ يدعو الطيف اليساري إلى الوحدة، ويحذر من “الخطأ في تحديد الخصم”.
دعوة تبدو وحدوية، لكنها مشروطة ضمنيًا بقبول رواية الحزب حول ترتيب الأولويات.
غير أن الوحدة لا تُبنى على التحذير، بل على مراجعة متبادلة.
ولا تُؤسس على الدفاع عن الموقع، بل على إعادة صياغة المشروع.
إذا كان الحزب يطمح فعلًا إلى قيادة اصطفاف ديمقراطي-اجتماعي، فعليه أولاً أن يجيب عن سؤال موقعه:
هل هو في المعارضة الاجتماعية؟
أم في منطقة رمادية بين النقد والتموقع؟
رابعاً: البلاغ كمرآة للقلق التنظيمي
لغة البلاغ تكشف توترًا واضحًا. فالإلحاح على الالتفاف، والتحذير من الحملات، والتشديد على الانضباط، كلها مؤشرات على لحظة قلق تنظيمي.
وهنا يطرح السؤال الحاسم:
هل المطلوب شد العصب أم تجديد المشروع؟
الأحزاب التاريخية لا تتراجع لأنها تُستهدف فقط، بل لأنها تتأخر في قراءة تحولات المجتمع.
والمجتمع اليوم لا يبحث عن خطاب يندد، بل عن قوة تقترح وتخوض المعركة إلى النهاية.
الخلاصة: بين التحصين والتجديد
البلاغ اختار التحصين بدل المراجعة.
اختار استدعاء المظلومية بدل توسيع النقاش.
واختار شد الصفوف بدل فتح ورش سياسي واجتماعي جديد.
لكن الحقيقة البسيطة هي أن الحزب الذي يخاف من النقد، يفقد تدريجيًا قدرته على الإقناع.
والحزب الذي يختزل أزمته في “حملات”، قد يؤجل المواجهة مع السؤال الأهم:
كيف يستعيد ثقة المجتمع؟
إن اللحظة الحالية لا تحتاج إلى خطاب دفاعي، بل إلى جرأة سياسية وتنظيمية تعترف بأن التحدي ليس فقط في مواجهة خصوم، بل في تجديد الذات.
التعليقات مغلقة.