الانتفاضة/ جميلة ناصف
أعاد مشروع قانون مهنة المحاماة في صيغته المحيّنة إشعال فتيل نقاش عمومي كثيف داخل الحقلين الحقوقي والمهني، حيث تداخلت فيه رهانات الإصلاح المؤسساتي مع هواجس حماية استقلالية المهنة. وفي خضم هذا الجدل، برز موقف المنظمة المغربية لحقوق الإنسان الذي اتسم بنبرة نقدية مركّزة، معتبرا أن النص المقترح، رغم ما يحمله من مستجدات، لا يزال يعتريه قصور بنيوي على مستوى ضمان التوازن بين التنظيم القانوني للمهنة وصون استقلالها كركن من أركان دولة الحق والقانون.
وترى المنظمة أن الإشكال الجوهري لا يكمن فقط في التفاصيل التقنية للمشروع، بل في فلسفته العامة التي تمنح للسلطة التنفيذية، ممثلة في القطاع الحكومي المكلف بالعدل، أدوارا محورية في ضبط مداخل المهنة ومسارات التكوين. فإسناد مهمة تنظيم مباراة الولوج وتحديد مضامين التأهيل المهني إلى هذه الجهة، يقرأ – وفق مقاربة تحليلية – باعتباره امتدادًا لمنطق “التدبير الإداري” لمهنة يفترض أن تؤطرها قواعد التنظيم الذاتي (Auto-régulation professionnelle)، بما ينسجم مع المعايير الدولية ذات الصلة باستقلال الدفاع. ومن هذا المنطلق، شددت المنظمة على ضرورة إعادة توزيع الاختصاصات بشكل يرسخ مبدأ الحكامة المهنية، ويمنح الهيئات المنتخبة، وعلى رأسها النقباء، دورا تقريريا فعليا في كل ما يتصل بالولوج والتكوين والتأطير.
وفي سياق متصل، أثارت المنظمة مسألة استمرار خضوع ممارسة المحاماة من طرف الأجانب ومكاتب المحاماة الدولية لمنطق الترخيص الإداري، معتبرة أن هذا التوجه يثير إشكالات مركبة تتقاطع فيها مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص مع متطلبات السيادة القانونية. فإخضاع هذه الفئة لنظام إذني قد يفتح الباب أمام ازدواجية معيارية (Dualité normative) تخلّ بتكافؤ شروط المنافسة داخل السوق القانونية، كما قد يضعف من مكانة الهيئات المهنية باعتبارها سلطة تنظيمية أصلية. بل إن هذا الوضع، بحسب القراءة الحقوقية، قد يفضي إلى نشوء مجالات رمادية للاشتغال خارج الضوابط الأخلاقية والمهنية، بما يهدد مبدأ الأمن القانوني (Sécurité juridique).
ورغم هذه الانتقادات، لم تغفل المنظمة الإشارة إلى بعض المقتضيات التي اعتبرتها ذات حمولة تقدمية، من بينها التنصيص على مبدأ المناصفة داخل أجهزة هيئات المحامين. وينظر إلى هذا الإجراء باعتباره خطوة في اتجاه إدماج مقاربة النوع الاجتماعي (Gender mainstreaming) داخل البنية المهنية، خاصة في ظل الاختلال البنيوي الذي يطبع تمثيلية النساء. غير أن هذا المكسب، في تقدير المنظمة، يظل رهينا بمدى إقران النص القانوني بآليات تنفيذية دقيقة، تضمن الانتقال من مستوى الإعلان المبدئي إلى مستوى التفعيل العملي القابل للقياس.
كما توقف التحليل عند مقتضى عدم قابلية انتخاب النقيب لولاية ثانية، باعتباره إجراء يروم تعزيز التداول الديمقراطي داخل المهنة، والحد من ظاهرة تركز السلطة المهنية. غير أن هذا المبدأ، رغم وجاهته النظرية، يستدعي – حسب نفس المقاربة – تنزيلا صارما وواضحا، يقطع مع كل أشكال التأويل التي قد تفرغه من مضمونه، ويؤسس لثقافة مؤسساتية قائمة على الشفافية والمساءلة.
ومن زاوية الحقوق والحريات، عبرت المنظمة عن تحفظها إزاء بعض القيود المفروضة على حرية التعبير داخل الفضاء القضائي، خصوصا ما يتعلق بمنع الأشكال الاحتجاجية خلال الجلسات. واعتبرت أن هذا المنع، بصيغته الحالية، قد ينطوي على مساس غير متناسب بحقوق دستورية مكفولة، إذا لم يتم تأطيره بضوابط دقيقة تميّز بين التعبير السلمي المشروع وبين السلوكيات التي قد تعرقل السير العادي للعدالة. فالمعادلة هنا دقيقة، وتستوجب تحقيق توازن مرن بين هيبة المؤسسة القضائية وضمان حرية التعبير كأحد مقومات المحاكمة العادلة.
وخلصت المنظمة إلى أن مشروع القانون، على الرغم من محاولته إدماج بعض عناصر التحديث، لا يزال في حاجة إلى مراجعة عميقة تعيد صياغة توازناته الكبرى، وفق مقاربة تشاركية تستحضر مختلف الفاعلين المهنيين والحقوقيين. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج نص قانوني جديد، بل في بناء تعاقد مؤسساتي يعزز استقلالية مهنة المحاماة، ويكرس دورها كشريك أساسي في تحقيق العدالة، انسجامًا مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية ذات الصلة، وعلى نحو يعيد ترميم الثقة في مسار الإصلاح التشريعي ويمنحه المصداقية اللازمة.
وإلى جانب ما سبق، يثير المشروع تساؤلات إضافية ترتبط بمدى انسجامه مع التحولات الرقمية التي يعرفها مرفق العدالة، خاصة في ظل تسارع وتيرة رقمنة المساطر القضائية واعتماد الوسائل الإلكترونية في الترافع وتبادل المذكرات. فغياب مقتضيات واضحة تؤطر “المحاماة الرقمية” وتحدد حقوق وواجبات المحامين في البيئة الافتراضية، قد يخلق فراغا تشريعيا ينعكس سلبا على جودة الخدمات القانونية وعلى حماية المعطيات الشخصية للمتقاضين. ومن ثمة، تبرز الحاجة إلى إدماج رؤية استشرافية تستحضر التحول الرقمي كرافعة أساسية لتحديث المهنة وتعزيز نجاعتها.
كما يطرح المشروع، من زاوية أخرى، إشكالية التأديب المهني وحدود استقلال الأجهزة المختصة به، حيث تُثار مخاوف من احتمال تداخل الاختصاصات بين الهيئات المهنية والسلطة الوصية، بما قد يؤثر على مبدأ المحاكمة التأديبية العادلة. فتعزيز ضمانات المحاكمة المنصفة داخل المساطر التأديبية يقتضي تكريس مبادئ الشفافية، وحق الدفاع، واستقلالية هيئات البت، بعيدا عن أي تأثير خارجي مباشر أو غير مباشر، بما يحفظ كرامة المهنة ويصون حقوق أعضائها.
وفي سياق متصل، يظل رهان التكوين المستمر أحد المفاتيح الأساسية للارتقاء بمستوى الأداء المهني، غير أن المشروع، رغم إشارته إلى هذا الجانب، لا يقدم تصورا متكاملا لكيفية تنظيمه وتمويله وضمان جودته. وهو ما يستدعي بلورة إطار مؤسساتي واضح يربط التكوين بالتطورات التشريعية والقضائية، ويجعل منه آلية دائمة لتأهيل المحامين ومواكبة المستجدات، بدل أن يظل مجرد التزام شكلي يفتقر إلى آليات التفعيل والتقييم.
التعليقات مغلقة.