الانتفاضة//الحجوي محمد
في ظل تزايد حالات التصوير السري داخل الحمامات الشعبية بالمغرب، تتصاعد الأصوات في إقليم قلعة السراغنة مطالبة بتدابير صارمة تحمي مرتادي هذه الفضاءات من انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وسط مخاوف من تحول هذه الظاهرة إلى “سلاح” للتشهير والابتزاز.
لم تعد الحمامات الشعبية في المغرب ذلك الملاذ الآمن للاسترخاء والتطهير كما كانت عليه في الماضي، إذ تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة لانتهاكات خطيرة بفعل انتشار الهواتف الذكية التي أصبحت في متناول الجميع، لتتحول لحظات الخصوصية إلى مواد يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بكل بساطة.
وفي إقليم قلعة السراغنة، الذي يشهد حركية اجتماعية ملحوظة، عبر العديد من المواطنين عن قلقهم البالغ من استمرار هذه الظاهرة دون رقيب، مطالبين في الوقت ذاته بتدخل عاجل من أرباب الحمامات والسلطات المحلية لوضع حد لهذا النزيف الأخلاقي الذي يهدد استقرار الأسر.
تكشف الوقائع أن النساء هن الفئة الأكثر تضررا من هذه الجريمة الصامتة. فما إن تغادر المرأة منزلها قاصدة الحمام لقضاء يومها الأسبوعي للاستحمام، حتى تجد نفسها، في بعض الحالات، مرشحة لابتزاز إلكتروني قد يدمر حياتها الزوجية والاجتماعية.
وقد رصدت تقارير إعلامية سابقة حالات تم فيها تداول فيديوهات لنساء داخل الحمامات، بعضها كان بدافع “التحدي” أو لنشر مقاطع تافهة، والبعض الآخر بقصد التشهير، مما أدى إلى خلق حالة من الهستيريا والذعر بين المغربيات اللواتي فقدن الثقة في هذا الفضاء الذي طالما اعتبرن فيه أنهن في مأمن عن أعين المتطفلين.
ويؤكد مختصون في علم الاجتماع أن هذه الممارسات لا تعكس فقط انحدارا في الذوق العام، بل هي مؤشر على وجود أمراض نفسية لدى مرتكبيها، تتمثل في الرغبة في التحدي أو التعويض عن النواقص عبر كسر المحرمات وتصوير الأجساد العارية ونشرها للعموم.
وسط هذا الوضع المقلق، انطلقت في إقليم قلعة السراغنة دعوات مجتمعية تطالب بإجراءات استباقية وحاسمة، تتقدمها فكرة إجبار أرباب الحمامات على تخصيص “خزائن إلزامية” خارج قاعات الاستحمام، يضع فيها الزبناء هواتفهم المحمولة قبل الدخول، تماما كما هو معمول به في بعض المرافق الحساسة.
ويرى الناشطون أن الحل لا يقتصر فقط على منع إدخال الهواتف، بل يتطلب أيضا فرض مراقبة مشددة داخل الحمامات النسائية، من خلال تعيين عاملات مؤهلات لمراقبة التصرفات المشبوهة، ورصد أي محاولة لاستعمال كاميرات خفية أو هواتف ذكية، على أن يتم تطبيق عقوبات صارمة بحق المخالفين فور ضبطهم.
ويشدد المواطنون على ضرورة أن يتحمل مالكو الحمامات المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه زبنائهم، فالفضاء يعد مؤسسة عمومية مؤدى عنها الأجر، وبالتالي يتعين توفير عنصر الأمان فيها، ليس فقط من ناحية النظافة أو البنية التحتية، بل من ناحية السلامة الجسدية والمعنوية أيضا.
من جهة أخرى، تطالب الفعاليات الحقوقية والنسائية بإقليم قلعة السراغنة بتفعيل الفصول القانونية المتعلقة بجريمة التشهير والتلصص، التي يعاقب عليها القانون المغربي بالسجن والغرامات المالية الباهظة. فلا يمكن للتدابير الوقائية أن تجدي نفعا بدون سيف مسلط فوق رؤوس المخالفين، خاصة وأن التطور التكنولوجي جعل عملية التصوير والتحرير والنشر تتم في ثوان قليلة.
إن معركة الحفاظ على الحمام المغربي كهوية ثقافية وفضاء للنظافة لا يمكن أن تكتمل إلا بتحصينه من آفات العصر، وفي مقدمتها الاستخدام غير الأخلاقي للهواتف الذكية. ويبقى السؤال المطروح على مسؤولي قلعة السراغنة: متى ستبدأ الحملات الأمنية والتوعوية لردع المتلاعبين بحرمة الناس، وحماية هذا الموروث الحضاري من الاندثار؟