الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
ليست الفيضانات التي يشهدها المغرب اليوم حدثا عابرا أو ظاهرة معزولة يمكن التعامل معها ككارثة موسمية معتادة. إنها لحظة إنسانية فارقة، تختبر قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتضع المسؤولين أمام امتحان حقيقي لمعنى القيادة والمسؤولية. فحين تجتاح المياه القرى والمدن، وتُقطع الطرق، وتنهار البيوت، ويجد المواطن نفسه فجأة في مواجهة الخوف والضياع، لا يعود المطلوب مجرد تصريحات رسمية أو بلاغات إدارية، بل حضور فعلي، ميداني، يبعث الطمأنينة ويجسد التضامن.
وإذا كانت دول أخرى تعيش أوضاعًا مشابهة، مثل إسبانيا التي تواجه بدورها فيضانات قوية وخسائر مادية وبشرية، فإن طريقة التعاطي مع الأزمة تكشف بوضوح الفارق بين من يرى في المسؤولية منصبا سياسيا، ومن يراها التزاما إنسانيا وأخلاقيا قبل كل شيء.
في إسبانيا، اختار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن يكون في قلب الحدث. لم يكتفِ بإدارة الأزمة من المكاتب المكيفة أو عبر الشاشات، بل نزل إلى الميدان، زار المناطق المتضررة، التقى المواطنين، استمع لشهاداتهم، ووقف على حجم الأضرار بنفسه. ظهوره بين الناس لم يكن مجرد حركة رمزية أو استعراض إعلامي، بل رسالة واضحة: الدولة معكم، والمسؤول الأول يشعر بما تشعرون به.
هذا النوع من القيادة يترك أثرا نفسيا عميقا. فالمواطن المنكوب، حتى وإن لم تحل مشاكله فورا، يحتاج إلى أن يرى من يمثله إلى جانبه، يواسيه، يشاركه المحنة، ويؤكد له أن صوته مسموع. الحضور الميداني هنا ليس ترفا سياسيا، بل عنصر أساسي من عناصر إدارة الأزمات، لأنه يعزز الثقة ويقوي الروابط بين الحاكم والمحكوم.
في المقابل، يلاحظ المتتبع للشأن الوطني في المغرب غيابا شبه تام لرئيس الحكومة عزيز أخنوش عن مشهد هذه الفاجعة. فمنذ بداية الفيضانات، لم يُسجل له حضور ميداني واضح في المناطق المنكوبة، ولا تفاعل مباشر مع معاناة المتضررين، ولا حتى مبادرات تواصلية قوية تطمئن الرأي العام. هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلا بسيطا، بل يطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم المسؤولية السياسية في مثل هذه اللحظات الحرجة.
فالقيادة في زمن الكوارث لا تُقاس بعدد الاجتماعات المغلقة أو البلاغات التقنية، بل بمدى القرب من الناس. المواطن الذي فقد منزله أو مصدر رزقه لا يعنيه كثيرا ما يدور في الكواليس، بقدر ما يهمه أن يرى مسؤوليه إلى جانبه، يشاركونه الألم ويعملون على إيجاد حلول ملموسة.
والمفارقة التي يصعب تجاهلها أن نفس المسؤول كان حاضرا بقوة خلال فترة الانتخابات. آنذاك، لم تكن هناك صعوبة في التنقل بين المناطق، ولا عوائق تمنع الوصول إلى القرى والجبال. شاهدنا قوافل، وتحركات مكثفة، وخطابات مباشرة، وحرصا شديدا على الاقتراب من المواطنين وطلب أصواتهم. كانت الجغرافيا ممكنة، والطرق سالكة، والوقت متاحا.
لكن حين تحولت الحاجة من أصوات انتخابية إلى نجدة إنسانية، خفت الحضور وتراجع المشهد. وكأن القرب من المواطن يصبح ضرورة فقط عندما يتعلق الأمر بالصندوق الانتخابي، لا عندما يتعلق الأمر بسلامته وحياته.
هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا: هل المسؤولية السياسية مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، أم أنها التزام دائم تجاه المواطنين، خاصة في أحلك الظروف؟ لأن منطق الدولة الحديثة يقوم على فكرة بسيطة وواضحة: السلطة تكليف لا تشريف، وخدمة الناس واجب لا خيار.
ثم إن إدارة الأزمات لا تقتصر على التدخلات التقنية والإدارية، رغم أهميتها، بل تحتاج أيضا إلى بعد رمزي ومعنوي. فظهور المسؤول الأول في الميدان يمنح رسالة ثقة للأجهزة، ويحفز فرق الإنقاذ، ويشعر الضحايا بأنهم ليسوا وحدهم. إنها لغة سياسية صامتة، لكنها بالغة التأثير.
غياب هذا البعد يخلق فراغا نفسيا وإعلاميا، ويغذي مشاعر الغضب والإحباط، ويعزز الفجوة بين المواطن ومؤسساته. وعندما تتكرر مثل هذه المشاهد، تتآكل الثقة تدريجيا، ويصبح الخطاب الرسمي أقل مصداقية مهما كانت مضمونه.
لا أحد ينكر أن الكوارث الطبيعية تفوق أحيانا قدرة الدول، وأن الخسائر قد تكون حتمية مهما بلغت الجاهزية. لكن ما يظل دائمًا في متناول المسؤول هو طريقة حضوره وتواصله وتعاطفه. هذه أمور لا تتطلب ميزانيات ضخمة ولا تجهيزات معقدة، بل إرادة سياسية وشعورا حقيقيا بالمسؤولية.
إن المقارنة بين المغرب وإسبانيا في هذا السياق ليست للمفاضلة بقدر ما هي دعوة للتأمل. فالنماذج الإيجابية موجودة، ويمكن الاستفادة منها. القيادة القريبة من الناس ليست ضعفا ولا شعبوية، بل هي جوهر العمل السياسي النبيل.
في النهاية، تبقى الفيضانات مجرد حدث طبيعي، لكن طريقة التعامل معها هي التي تصنع الفارق بين دولة يشعر فيها المواطن بالأمان والانتماء، وأخرى تتسع فيها مسافة الشك والخذلان. فحين يغمر الماء البيوت، يحتاج الناس قبل أي شيء إلى من يمد لهم يد العون، لا إلى كراس فارغة.
المسؤول الحقيقي هو من يظهر حين تختفي الأضواء، ومن يقف في الطين والبرد قبل أن يقف على المنصات. لأن السياسة، في جوهرها، ليست خطابات ولا حملات، بل إنسانية قبل كل شيء.
التعليقات مغلقة.