الانتفاضة/ بقلم عزيز الدروش(محلل وفاعل سياسي)
في كل محطة انتخابية، يتجدد الأمل لدى المغاربة في أن تشكل صناديق الاقتراع مدخلاً حقيقياً للإصلاح السياسي وترسيخ دولة المؤسسات. غير أن هذا الأمل سرعان ما يصطدم بواقع مقلق، عنوانه العريض: غياب الشفافية وتفشي ممارسات تضرب في العمق مصداقية العملية الانتخابية، وعلى رأسها ما يُتداول حول “تجارة التزكيات”.
لقد أصبحت التزكية الحزبية، التي يفترض أن تكون أداة ديمقراطية داخلية لاختيار الكفاءات، محط شبهات خطيرة، خاصة مع توجيه اتهامات علنية لقيادات حزبية وازنة، من قبيل محمد أوزين الحركةالشعبية، وإدريس لشكر الإتحادالإشتراكي للقوات الشعبية، ونبيل بن عبد الله التقدم و الإشتراكية، بالضلوع في ممارسات تسيء إلى جوهر العمل السياسي، وتحوله من تنافس نزيه إلى سوق مفتوح للمصالح والولاءات.
هذه الاتهامات، التي خرجت إلى العلن عبر تصريحات صحفية، لا يمكن التعامل معها بخفة أو تجاهل، لأنها تمس أحد أعمدة الديمقراطية: نزاهة التمثيلية الشعبية. فإما أن تكون هذه الادعاءات صحيحة، وهو ما يستوجب محاسبة صارمة و فتح تحقيقق ضائي، أو تكون باطلة، وهو ما يفرض بدوره فتح تحقيق لتبرئة المعنيين وصون المؤسسات من التشكيك.
لكن الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في مضمون الاتهامات، بل في الصمت الرسمي الذي يحيط بها، خاصة من طرف عبد الوافي لفتيت، الذي تقع على عاتقه مسؤولية الإشراف على العملية الانتخابية وضمان نزاهتها. هذا الصمت يطرح أكثر من علامة استفهام، ويغذي الشكوك حول وجود إرادة حقيقية للإصلاح، أو الاكتفاء بتدبير شكلي للانتخابات دون المساس بجوهر الاختلالات.
إن وزارة الداخلية، باعتبارها المشرف الأول على الانتخابات، مطالبة اليوم بالخروج من دائرة الحياد السلبي إلى موقع الفعل والمبادرة. ففتح تحقيق شفاف ونزيه في هذه الاتهامات لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات. لأن استمرار تجاهل مثل هذه القضايا يكرس شعوراً عاماً بأن الانتخابات ليست سوى مسرحية محسومة النتائج، وأن المشاركة فيها لا تعدو أن تكون تزكية للأمر الواقع.
الأخطر من ذلك، أن السكوت عن هذه الممارسات يفتح الباب أمام المال الفاسد للتحكم في الخريطة السياسية، ويقصي الكفاءات الوطنية الحقيقية المنتجة لصالح من يملكون القدرة على “شراء الطريق” نحو البرلمان والمجالس المنتخبة. وهنا تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية تخفي وراءها منظومة مغلقة من المصالح المتشابكة.
إن الجرأة السياسية اليوم تقتضي قول الحقيقة دون مواربة: لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظل استمرار الشكوك حول بيع التزكيات، ولا يمكن إقناع المواطنين بالمشاركة في عملية يعتقدون أنها ملوثة من الأصل. كما لا يمكن لوزير الداخلية أن يظل متفرجاً أمام اتهامات بهذا الحجم، دون أن يتحمل مسؤوليته الدستورية والسياسية و الأخلاقية و ثقة ملك البلاد.
فإما أن تبادر الدولة العميقة إلى فتح تحقيق جدي، يحدد المسؤوليات ويعيد الاعتبار للعمل السياسي النبيل، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه، حيث تتحول الانتخابات إلى مجرد طقس دوري لإعادة إنتاج نفس النخب الفاسدة
و الفاشلة، بنفس الأساليب الغير الشرعية، ونفس النتائج المدمرة للمملكة المغربية.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل هناك إرادة سياسية حقيقية لتخليق الحياة السياسية في المغرب، أم أن الحديث عن النزاهة سيظل مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي؟
الجواب، هذه المرة، لن يكون في الخطب والتصريحات .بل في الأفعال.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى .