صمت خلف حسن الرعاية

قصة من واقع انتهى بالأمس

الإنتفاضة

بقلم: سمية أحمد نصر

أسئلة كانت تطوف و تجول في ذهني، كم تساءلت و أجيبت اسئلتي على مر السنين، تساءلت كذلك كيف يعيش الناس في دار الرعاية ( و انا أعلم ان الرعاية هنا ممتازة) وهو الأمر الذي كان مرفوضا تماما كتجربة شخصية. شاء الله ان ادخل إليها في شتنبر الماضي مدة اسبوعين و في أواخر دجنبر الحالي اسبوعين كذلك و ذلك لمشاكل صحية.
بدأت اتصفح وجوه المقيمين كما يسمونهم و النزلاء مثلي و هم قلة قليلة.
ابتسامات حزينة، سكوت من الجدد و صمت لا يشبه صمتًا من المقيمين القدامى، تجاعيد حفرها الزمن ، تحكي الكثير على حسب ما مروا به من رفاهية العناء أو قساوة عمل اظنى الظهر و أوجع القلب أو استغناء الاهل و الأصدقاء اللذين ربما توفوا أو تخلوا، هدوء لا يشبهه هدوء، شعرهم الأبيض المصفوف بعناية و نظافتهم و لباسهم كأنه الحفل الاخير لان كل يوم قد يكون الاخير بالفعل. يوم عيدهم الذي لا نؤمن به، كان هناك مسجل و اسطوانات قديمة فيها أغاني عيدهم ، يحيطون بها و كأنها المنقد الوحيد كي يحسوا بدفىء يوم العيد، نظرات شاردة ترجع بهم الى الماضي البعيد و القريب. رمقت فيها انواعا من الخذلان و التخلي ، احسست فيها بأنواع لقاءات مرتقبة و وداعات محسومة، رغم ان الرعاية ممتازة. تأثرت كثيرا و انهمرت دموعي في صمت رهيب بدون نفس ولا حس، كصمتهم و سكوتهم الطويل. تأثرت أكثر عندما تذكرتهم في بلدنا العزيز و الألم هناك أكبر. لأننا تربينا على الرحمة و الدين الإسلامي العظيم. رأيت في كل خطوة بطيئة الى الامام ، خطوات سريعة الى الوراء في اذهانهم،
ولكن يبقى الوجع أكبر في بلادنا الاسلامية.
ابتيليت نعم، لكن تعلمت دروسا كثيرة بفضل هذا الابتلاء، تسلسل الايام و الاحداث علماني ان ألم الخذلان و الوحدة يكون قاسيا حتى وإن كانت الرعاية ممتازة ، فما بالك إن كانت شبه منعدمة في أماكن اخرى من العالم. الرعاية الجيدة هي ان تكون وسط العائلة المحبة للخير و المتماسكة بفضل ديننا الحنيف. و لكن و تحتها ألف سطر ، بدأت تنقرض تحت اسم الحرية الشخصية و أنا أولا و لا بأس بالطوفان من بعدي ، الحضور هو تضييع الوقت الثمين و لا احد له الحق في هدره،
و إن سألوا عنك: يبدأوا بالتبريرات و قلة الوقت و فتنة الحياة و الأولاد، لا يتركون لك مجالا حتى أن تقول لهم كيف حالكم، بعد كل السلبيات التي تسمعها التي انت في غنى عنها تلك اللحظة ، تتفهم و تتلاشى حروف البوح لأنهم و بكل بساطة نسوا انك في دار الرعاية كي تتحسن و أن وضعك في البيت سيزيد من المعناة الصحية بعد عملية ستعاد من جديد.
الحمد لله أني لا زلت أحظى بحب الناس و السؤال لا ينقطع من العائلة و صديقات العمر في المغرب و الغربة. أما الباقون فهم على علم بتقصيرهم و بمبررات كاذبة يصدقونها حتى لا يلومهم احد. فأصبح السكوت عن اللوم عادة و الرضوخ للأمر واقعا و النقاش تضحية لما بقي من طاقة لا توجد.
هذا قد يجعل ذاك الصمت الغريب الذي تعجبت منه يتسلل، البحث عن السبب ، كيف و لماذا؟ هي طاقات مهدورة و نتائج مقبورة. و لكن، قدرة الله سبحانه و تعالى كسرتها و عوضه أبادها لانه لا مستحيل مع الشافي المعافي الجبار الحكيم الكريم. و الله أدرى بالقلوب.
اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا.

*سمية أحمد نصر*
28/12/2025

التعليقات مغلقة.