الانتفاضة // أيوب الرضواني
ساعات قبل الكارثة: مدينة بأضواء عمومية خافتة شبيهة بلمبات غرف النوم الرومنسية!! يبدو أن درجة حب المسؤولين للمُواتنين
وصلت حد وضع إضاءة “رومنسية” تجسيدا لطبيعة العلاقة؟!!
طريقة تموضع المباني والمنشآت والطرق والأرصفة أبعد ما تكون عن وصف المدينة. لا وجود للجمالية ولا للولوجيات ولا لمسالك تصريف المياه. طرق مبعثرة، وحفر مشتتة وكأنها اختبار لقوة ملاحظة السائقين. المدينة منكوبة قبل أن تكون منكوبة!!
ساعة واحدة من التساقطات، في دولة تُعول على الأمطار لازدهار اقتصادها وتوفير فرص الشغل لمواطنيها، عرت ما هو مُعرّا، وذكَّرت الناس بحقائق كادوا أن ينسوها تحت تأثير مختلف أنواع المُنومات.
غياب تام لأبسط مقومات البنية التحتية؛ شبكات تصريف المياه من أسفي لتطوان نزولا لمناطق درعة المنكوبة، يُسائل مسؤولية دولة ركزت كل جهودها، أكثر مما مضى، على محورين: داخليا كرة القدم، وخارحيا مسألة الصحراء. إوى، باقي القطاعات والميادين والشرائح العريضة من الناس ما ليهومش الله؟
منذ زمن طويل ومدننا الداخلية تعاني الأمرين؛ كلما صبّت قُطيرات ماء من السماء؛ من كلميم عام 2014، لوجدة أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، وصولا لجهة درعة سنة 2024، والتي كشفت تبخر 1200 مليار سنتيم من أموال وكالة تنمية الواحات في الهواء.
المشكل مركب، وفي كل مرة يدفعنا هول الصدمة إلى التركيز على غوث المفقودين والتعزية في الضحايا وإيواء المشردين والتكفل بدفـ.ـن المـ.ـوتى، إلى تجاهل أسباب الكارثة الحقيقية، الحلول التي تمكننا من تفادي تكرارها.
أولا سياسيا، في كون العاصمة الرباط (المركز) تستحوذ على 99% من قوة القرار في كل ما يخص البنية التحتية البشرية، تاركة للجهات والجماعات الترابية مهام التراخيص وبناء الأسواق الأسبوعية والأرصفة: من القناطر للمدارس، مرورا بالمستشفيات وليس انتهاء بشبكات تصريف المياه: لا بُد من انتظار القرار والمال من الوزارة، أي من الرباط!
حتى إذا أنعم الله على سكان مدينة بمجلس جماعي يملك ضميرا، ورغبة في صنع “المعجزات”، فإن تداخل الاختصاصات، وفي كثير من الأحيان غلبة قوة المُعين (الوالي، العامل، الباشا…) على قدرة المُنتخب (رئيس الجماعة، رئيس الجهة) تُزيح كثيرا من المشاريع من منطق المصلحة العامة، إلى خانة الأهواء الشخصية.
بين ما هو سياسي وما هو تقني، يبرز الغائب الأكبر والأخطر: المحاسبة. من التشريعات، إلى الإجراءات مرورا بالتفعيل وانتهاء بنيل العفو، تضيع حقوق الناس في حياة كريمة، بل وفي كثير من الحالات يضيع حقهم في الحياة، ولو لم تكن كريمة!! عشرات الأرواح تذهب سُدى دون تحريك مسطرة المحاسبة وكأن من ماتوا لا صلة لهم بجنس البشر أولا، وراية هذا البلد ثانيا.
آن الأوان لتغيير هذه الوضعية الكارثية، والانتقال من منطق الحفاض على الوضع القائم إلى خلق تغيير حقيقي في منطق وفلسفة وطريقة تعامل الدولة مع سكانها، جميع سكانها.
تغيير لن يحدث ما لم يُمنح الناس حق تدبير شونهم بأنفسهم حقيقة، مع القدرة على اتخاذ وتنفيذ القرار، الموارد المالية كما آليات مُحاسبة وردع فعالة، بعيدة عن الشعارات الجوفاء.
في انتظار “المعجزة”، دعونا نجدد اعتذارنا: آسفون يا آسفي!!
التعليقات مغلقة.