الانتفاضة/ هند جوهري
يُجمع المراقبون على أن ورش الحماية الاجتماعية، الذي يضم الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية الإجبارية (AMO)، يمثل ثورة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ المغرب الحديث، إلا أن دراسة حديثة وصادمة صدرت عن “مركز الإستشراف الاقتصادي والاجتماعي”جاءت لتدق ناقوس الخطر، كاشفة عن إكراهات تمويلية واختلالات هيكلية كبرى قد تضع استمرارية هذا المشروع الوطني الضخم على المحك وتدفع به نحو نفق مسدود.
وتتجلى أولى هذه العقبات في الضغط المالي الهائل وغير المستدام على ميزانية الدولة، حيث تظهر الأرقام أن هذا المشروع يحتاج إلى ما يفوق ثلاثة وخمسين مليار درهم سنوياً لضمان سيره العادي، في حين لم تتمكن الدولة حتى الآن إلا من تعبئة حوالي أربعة وثلاثين مليار درهم، رُصد منها ثمانية عشر ملياراً ونصف لتمويل الدعم المباشر، وخمسة عشر ملياراً ونصف لفائدة التغطية الصحية، وهو ما يضع الحكومة مستقبلاً أمام خيارات صعبة تفرض عليها البحث العاجل عن مصادر تمويل مبتكرة وجديدة لتغطية هذا العجز الهيكلي المتفاقم.
وما يزيد الطين بلة، هو ما كشفت عنه الدراسة من أرقام مقلقة تتعلق بضعف مساهمة الفئات المستهدفة، إذ تبين أن نسبة التحصيل الفعلي للاشتراكات لدى فئة العمال غير الأجراء لم تتجاوز عتبة السبعة والثلاثين بالمئة، وهي نسبة ضئيلة جداً تؤكد أن الغالبية الساحقة تتهرب من أداء واجباتها، وينضاف إلى هذا الضعف التمويلي وجود أزيد من مليون موظف وعامل خارج هذه المنظومة بسبب توفرهم على تغطية مستقلة في قطاعات خاصة وشبه عمومية، مما يحرم الصناديق المشتركة من سيولة مالية حيوية كانت لتساهم في إحداث توازن مالي حقيقي.
ولم تقف الدراسة عند المؤشرات المالية فحسب، بل وجهت انتقادات لاذعة لمنظومة استهداف الفئات الهشة، لاسيما طريقة احتساب “المؤشر” الخاص بالسجل الاجتماعي الموحد، معتبرة أن المعايير الحالية المعتمدة على ممتلكات بسيطة كامتلاك هاتف محمول تسببت في إقصاء غير عادل للعديد من الأسر الفقيرة والمستحقة، مقابل استفادة أسر أخرى في وضعية مادية أفضل، وتتفاقم هذه المعضلة مع هيمنة الاقتصاد غير المهيكل الذي يستقطب أكثر من ستين بالمئة من اليد العاملة بالمغرب كالحرفيين والباعة المتجولين، الذين يصعب إخضاعهم للاشتراكات لغياب عقود عمل رسمية، مما يلقي بالعبء الضريبي والمالي كاملاً على كاهل الأجراء في القطاع المنظم.
وفي محاولة لإنقاذ هذا المشروع المجتمعي، اقترحت الدراسة جملة من الحلول الاستعجالية، في مقدمتها المراجعة الشاملة والدقيقة لمعايير “المؤشر” لتكون أكثر إنصافاً وتطابقاً مع الواقع المعيشي للمواطنين، وتقديم تحفيزات حقيقية لدمج ناشطي القطاع غير المهيكل في الدورة الاقتصادية الرسمية، مع التأكيد على أن الحل الجذري والوحيد يكمن في خلق نمو اقتصادي حقيقي وفرص شغل منتجة تضمن للمواطن الاستقلال المادي والعيش الكريم دون الحاجة إلى الدعم المستمر.
يعد مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي مؤسسة بحثية مغربية تُعنى بإعداد التقارير الاستراتيجية وتحليل السياسات العمومية. يركز المركز في أبحاثه على تقييم نجاح النموذج التنموي الجديد، رصد الفوارق المجالية والفقر، وتحليل قطاعات حيوية مثل الصحة والتأمين الإجباري