الانتفاضة / إدريس المغلشي
بعدما هدأت عاصفة النقاش حول خسارة المنتخب الوطني والغريب أنها أخذت حجما يوازي الكم الكبير من الرهان والأحلام التي رافقتها ، تبين أن كرة القدم أضحى لها مفعولا خارقا ومؤثرا على الرأي العام يجتاح كثيرا من فضاءاتنا العامة والخاصة .وتبين أن كثيرا من وسائلنا الأخرى رغم قوتها لا تستطيع ان تستنفر كل المجتمع بكل أطيافه .وكيف اصبحت تحظى بمتابعة تفوق كثير من قضايانا الوطنية وعلى رأسها معيشتنا اليومية التي لاتستقر على منهجية شفافة ولا قرار سليم.بل لاحظنا كيف لشركة وفي غفلة من الجميع أن تعتمد زيادات في موادها بدون أخذها بعين الإعتبار للقدرة الشرائية للمواطن إذ يعتبر أسلوبا انتهازيا ومستفزا يستدعي التدخل العاجل .
في وقت يركز فيه الجمهور المغربي متابعته وتحليله لميكانيزمات نتيجة المباريات الرياضية التي جمعت المنتخب الوطني مع مختلف المنتخبات المشاركة في بطولة كأس العالم .
تغيرت مجموع الملاحظات حول الهزيمة وأسبابها بين من اتهم جهات بمقايضة غير معلنة وبين من ذهب الى كون الاخفاق كان منتظرا بالمقارنة مع التباينات والفروقات بين الفريقين لاسيما ماساقته مجموعة من الشباب حول تباين بعض المؤشرات في الصحة والتعليم والتنمية والدخل الفردي وآخرون بشكل موضوعي صرحوا أننا لانطلب المستحيل فحين نتساوى مع فرنسا في كل هذه المؤشرات يحق لنا انذاك أن نطالب فريقنا بالفوز أما والحالة اننا نعيش حالة انهزام أمامهم في مجالات اجتماعية فاللعبة تبقى في حدود الترفيه لاغير ولايمكن اعتبارها بالمطلق مركز مهم لكل الرهانات والأولويات في واقع تعيش فيه قطاعات أخرى فشلا ذريعا.بل أكاد أجزم ان الطريقة التي دبر بها هذا التميز إذا اتفقنا على تسميته بهذا الوصف ليس ابنا شرعيا ولانتاجا خالصا لسياساتنا الداخلية ومع ذلك فأبناء المهجر يسجل لهم الفضل لكونهم انحازوا للوطن الأم على حساب أرض النشأة وهي صفة لاينكرها إلا جاحد .
المثير في موضوع كرة القدم أنها عبدت بشكل عابر ومؤقت كذلك الطريق نحو السياسة من أجل ممارستها بلاشرعية ولا انتماء في اعتقاد انها جسر سهل للاستغلال لم يقرأ بعضهم التاريخ ولم يستأنسوا بتجارب مرت بالغة التعقيد وشديدة الحساسية. لم يعلموا أن كرة القدم لعبة يصعب الرهان عليها في غياب الأولويات التي تشكل بنية أساسية ورافعة لكل تنمية منشودة بعيدا عن الشعارات والحلول المؤقتة التي تشبه مسكنات لكن لاتقضي على العلة .لقجع آمن بفكرة النجاح دون أن يؤسس لها مرجعية تحفظ لها ديمومتها واستمراريتها رأيناه كيف جمع كل السلط في جيبه لوحده واستفرد بها دون باقي المكونات ولم يجل بخلده أن (لحساب على لخر … ولي كيحسب بوحدو كيشيط له …) رأيناه كيف يقدم تصريحات للخارج دون اعتبار للداخل الموبوء وكيف ينصب ويعفي دون تقديم مبررات. بل رأيناه كيف نزل لرقعة الملعب يحفز اللاعبين بل ويشاركهم في حصص التدريبات حتى في شغبهم وشغفهم الطفولي رأيناه يحمل على الأكتاف بعد لحظة فوز عابرة. احتكر لوحده الساحة ولم يترك للآخرين أي فرصة بل ذهب البعض للقول أين هذا الحضور وذاك الحماس في مناطق أخرى كانت في أمس الحاجة للمسة اجتماعية في مناطق تئن تحت وطأة الوجع والحاجة والفقر. كنا سنسجلها بدون شك بكثير من الحب والعناية لكن لم نقف له على مثل هذه الخطوات .بل هناك من تساءل كيف نطلب منه الحضور وهو غائب عن أجهزة مؤسسته الأصلية ولم يبق من مؤسسة الجامعة سوى ظلها واسمها فيما البعض قابع في السجن والآخر غارق في مشاكل لاحصر لها .
الأندية التي تشكل العمود الفقري تعيش وضعية إنعاش بعدما غرقت في العشوائية ولم تستطع إفراز نخبة من اللاعبين بالنظر لأرقام الميزانية الضخمة التي تصرف . فوضى في شتى المجالات وكثير من الأعطاب في التدبير ومع ذلك نطالب بنتائج في غياب مؤسسات تتحمل المسؤولية .معادلة صعبة ان لم تكن مستحيلة .
صورة ليست غريبة على واقعنا المغربي مادمنا نعاين إفلاسا سياسيا في تدبير ملفات حساسة لم تستطع الأحزاب على تشكيل لجن تقصي من خلال ما رشح من معلومات تنذر بأن هناك فضائح رائحتها تزكم الأنوف .
نرفض الربط الآلي الذي يسعى إلى إسقاط بليد لنجاح منفلت من أجل التغطية على قطاعات أخرى فاشلة ومأزومة لا يمكن بالمطلق إخفاء أعطابها .
نحن ياسادة لاتنجح عندنا المؤسسات بقدر ماتحتل أسماء بعينها منصات التتويج
أسماء تظهر ثم تختفي ونجتر نحن تبعات وخسارة هزيمتها بعدما نتحمل كلفتها للأسف الشديد .