ملحمة مصرية لقطاعات مختلفة تكشف عن حرب ضغينة صوب شرفاء العرب “المغاربة “

0

الانتفاضة/ محمد جرو

بعد تتبعي وقراءتي لما كُتب ويُكتب، منذ الكان المغربي 2025، الذي كان ناجحًا بكل المقاييس، كتبت وسأكتب انطلاقًا من ضميري ومن انتمائي إلى عالم الصحافة والإعلام الجاد والمسؤول، منذ مدرسة أنوال، مرورا بتجارب سمعية بصرية ومكتوبة، ورقية، وصولا إلى الصحافة الإلكترونية وفضاءات الإنترنت.
وبكل موضوعية وتجرد، أكتب عن بلدي وحقيقته، المغرب الذي يسكنني وأسكنه. أطمح وأناضل، وقد دفعت ثمن ذلك من جهدي وطاقتي الجسدية والنفسية، وهي تضحية أعتبرها واجبا مفروضا من أجل أن يصبح الوطن للجميع. انتصارا للعدالة الأجرية والمجالية، ولحقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها، ولترسيخ قيم الحداثة والديمقراطية، وكشف لصوص المال العام الذين، للأسف، ما يزال بعضهم يتجول بكل حرية، في الوقت الذي يجد فيه من أحب المغرب بصدق، بل عشقه، نفسه خلف القضبان، فقط لأنه سعى إلى أن يراه في مصاف الدول الحضارية والراقية.
لم يكن هذا البلد مجرد دولة فقط، بل كان موطن إمبراطوريات امتد مجال حكمها إلى أبعد مدى، وهو مصدر فخر واعتزاز، ولم يقتصر حضور المكون الهوياتي للمغاربة على مجال جغرافي محدد، بل امتد إلى حدود الصحراء الكبرى بمصر.
وللأسف الشديد، فإن جزءا من بعض الكتب والصحفيين وبعض الممثلين، يريدون تزوير التاريخ والكذب على الشعب المصري، كما يفعل الإعلام الجزائري مع شعب الجزائر، كلما تعلق الأمر بـ”لمغاربة” أو “لمروك”.
لقد تحدث الإعلام المصري الموجه، مرة عن “إنجاز أفريقي غير مسبوق لمصر”، وكأن مونديال القرن بقطر سنة 2022 ليس قريبا منا. أربع سنوات فقط كشفت زيف خطاب “أم الدنيا” حول مفهوم الإنجاز الغير المسبوق.
فهل كان أسود الأطلس ضيوفا على مونديال قطر؟ وهل وصولهم غير المسبوق، حقيقة فعلية إلى المربع الذهبي وهل كان مجرد صدفة؟
وهل التأهل غير المسبوق لبلد عربي وأفريقي إلى الدور الثاني، وانتصاراته على عمالقة كرة القدم، أمر يمكن التقليل من قيمته أو التجاوز عنه ؟
أم يعتقد (الأشقاء) المصريون أننا لا ننتمي إلى أفريقيا ولسنا عربا؟
في جريدة الانتفاضة، بخطها التحريري الواضح، كانت مدرستي وتجربتي الأخرى في هذا العمر. انتفضنا على كل القوالب الجاهزة، وعلى صحافة “كلشي بحال بحال”، إيمانا منا بأن حبل الكذب قصير، وأن الحقيقة ستظهر مهما طال الزمن.
فلماذا لا نقولها ونكتبها، ولا نخشى لومة لائم؟ لأن الصحافة، بكسر الصاد، صناعة، صناعة رأي عام. لذلك يجب على كل عاقل أن يخاطب الجماهير بلغة الحقيقة.
ألم يسمع هؤلاء المهرولون نحو المجهول، في مصر (الشقيقة)، بالشريف الشيخ الجيلاني المراكشي المغربي، وقبله بالملكة الأمازيغية تينهنان التي ما يزال أتباعها هناك؟
ولن نتحدث في هذه الورقة عن الرياضة وإنجازات أسود الأطلس غير المسبوقة، فترتيبهم العالمي يكفي، وفيديوهات النزالات موجودة، والتاريخ كُتب ولن يُزوَّر. سنكتفي بالشيخ والملكة، وفي فرصة قادمة سنتحدث عن جنودنا وشهدائنا في حرب رمضان، وعن دمائهم التي روت أرض مصر وسوريا، فيما اختار الطرف الآخر رد السلاح نحونا في حرب الرمال، حين أُسر العقيد محمد حسني مبارك، الذي سيصبح لاحقا رئيسا لمصر.
الشيخ “الجيلاني” المغربي الذي قاد ملاحم النيل وواجه أسطول نابليون، هبّ من مكة وهو يؤدي مناسك الحج، عندما سمع بهجمات “النصارى” على بلد مسلم، مصر يا حسرة، بمماليكها.
وفي كتب التاريخ، فإن هذا الرجل الذي ينتمي إلى هذا البلد العربي الكبير الذي تُرتكب بحقه، للأسف، بعض المغالطات، هو السيد محمد بن أحمد بن السيد المختار السباعي، المعروف بـ”الجيلاني”، وتذكره كتب التراجم باسم “الجيلاني بن أحمد السباعي”، ويلقبه المؤرخون بـ”الرجل النبيل”.
ويرجع نسب الشيخ الجيلاني إلى قبيلة أولاد أبي السباع، الممتد نسبها إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. ولد ونشأ في ضواحي مدينة مراكش بالمملكة المغربية، وتلقى علومه هناك قبل أن يتوجه مجاورا للحرمين الشريفين، جامعا بين غزارة العلم والغيرة على قضايا الأمة.
من مكة المكرمة عام 1799، بدأت حكاية “الشريف”. فبينما كان المسلمون يؤدون مناسكهم، نزل نبأ احتلال نابليون بونابرت لمصر كالصاعقة. وسادت حالة من الذهول والغموض، بلغت حد قيام بعض الأهالي بـ(تعرية الكعبة) تعبيرًا عن عظم الفاجعة وطلبا للطف الإلهي.
في هذه الأجواء المشحونة، لم يقف الشيخ الجيلاني موقف المتفرج، بل اعتلى المنابر ووجه عتابًا لاذعًا للمعتمرين والحجاج: كيف يطيب للمسلم أداء النسك، وأرض مسلمة تُستباح من طرف الغزاة؟
ولم يتوقف عند ذلك، وطبعا يجب أن تستمر لازمة “الإنجاز غير المسبوق”، بل ستكون هاشتاغا للتاريخ. فالشيخ، وبـ”تامغاربيت”، شكّل في وقت قياسي جيشا من المتطوعين الحجازيين والمغاربة والأفارقة، ثم ركبوا البحر الأحمر صوب مصر عبر ميناء القصير.
تذكروا المغاربة مع صلاح الدين، وتذكروهم مع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ومعاركه الشرسة ضد عتاة الإسبان. وربما على نهج الشريف سار هؤلاء القادة في تنظيم جيوش المجاهدين.
فالشيخ الجيلاني لم يكن مجرد قائد روحي، بل أظهر حنكة تنظيمية وعسكرية لافتة في إدارة جيش المتطوعين، حيث قام بهيكلة دقيقة وفق نظام التفويج. وهذه سردية تستحق أن يعود إليها المصريون لإعادة قراءة التاريخ بشكل موضوعي.
فالفوج الأول، ولّى قيادته لابن أخته الشريف حسن، وأخيه الشريف طاهر، فيما تولى قيادة الفوج الثاني بنفسه. وصولا إلى نظام الكتائب، حيث قسّم المتطوعين إلى مجموعات تنظيمية دقيقة تشبه كتائب الجيوش النظامية، ووضع على رأس كل مجموعة قيادة خاصة بها لضمان سلاسة التحرك والمناورة.
بهذه الاستراتيجية، وباصطلاح حديث، هل يمكننا آنذاك الحديث عن مكانة روحية للشريف المغربي؟ لذلك دفع أمراء المماليك في مصر، بمن فيهم قوات مراد بك، إلى الانضمام إليه في أغلب المعارك، بل وتنازلوا لقواده عن أمر القيادة العامة في بعض الملاحم، تقديرًا لخططه العسكرية الفذة ونزاهته.
وسجل التاريخ ملاحم الشيخ السباعي الجيلاني بمداد من الفخر، عبر معارك حاولت بعض الوثائق الفرنسية، كما دأبت في التعامل مع بطولات الجيوش المغربية، وقبلها الإسبانية، التقليل من شجاعة الرجل وشهامته رفقة جيوشه والمتطوعين معه.
إلا أن المؤرخ المصري “الجبرتي” أنصفه هذه المرة، وخلّد ذكره، واصفا إياه بـالمغربي المجاور بمكة، واعتبر سنوات جهاده في الصعيد بأنها أول “سني الملاحم العظيمة”
وستظل معاركه في صعيد قنا بمصر شاهدة على ذلك، ومنها معركة البارود ومواجهة أسطول نابليون، حيث نزل الشيخ الجيلاني بجيشه المنظم إلى أرض الصعيد، وتحديدا إلى محافظة قنا، ليقود المقاومة في معارك طاحنة، أبرزها “معركة البارود” التاريخية بقرية نجع البارود.
هناك، واجه المجاهدون الأسطول الفرنسي المحمل بالسلاح في نهر النيل، وتمكنوا من إحراق وإغراق السفن الفرنسية المشاركة، وتدمير السفينة الحربية “إيطاليا”، وهي السفينة التي كانت من بين السفن المهمة لدى القوات الفرنسية في النيل، مما شكّل صدمة عسكرية كبرى للاحتلال، وصُنّف ضمن أبرز هزائم الحملة الفرنسية على مصر.
وامتدت المعارك بعد ذلك إلى مناطق أخرى في الصعيد، مثل قرى “أبو مناع” بمركز دشنا، مسجلةً بطولات وتضحيات جسام، امتزجت فيها الدماء المغربية بالتراب المصري.
استشهد الشيخ الجيلاني فوق أرض الصعيد بعد أن سطر ملحمته. واليوم، يوجد مقام وضريح الشيخ الجيلاني في قرية حجازة بمدينة قوص بمحافظة قنا، حيث دُفن هناك بجوار مقام صديقه ورفيق دربه في الجهاد، الشيخ المجاهد القاضي علي عبيد، قاضي الصعيد وكبير آل الشيخ بقرية حجازة قبلي.
أما بالنسبة للملكة الأمازيغية “تيهينان” (أو تينهينان)، فهي ملكة صحراوية تاريخية. وفدت، حسب بعض الروايات، من منطقة المغرب الكبير، ويُرجح أن يكون ذلك من منطقة تافيلالت بالمغرب، واستقرت في منطقة الهقار بالجزائر.
وما يزال الطوارق، وهم من الأمازيغ الرحل في الصحراء الكبرى، بما في ذلك مناطق جنوب غرب مصر، يعتبرونها أمهم الروحية والملكة المؤسسة لقبائلهم إلى يومنا هذا، كما ينسبونها إلى سلالة أمازيغية نبيلة.
قادت تينهينان قافلة طويلة عبر الصحراء الكبرى واستقرت في “أبلسة” بجبال الهقار بالجزائر حاليًا. ووفق الروايات التاريخية والموروث الأمازيغي، تعرف بلقب “أم الجميع” أو “ملكة الخيام”.
ويعتبرها الطوارق، المنتشرون في مناطق واسعة من الصحراء الكبرى والممتد وجودهم إلى أطراف مصر الغربية، الجدة المؤسسة لاتحادهم القبلي، ولا يزالون يعتزون بنسبهم إليها ويحافظون على إرثها الثقافي.
وقد اكتُشف ضريحها الأثري الشهير سنة 1925 في الصحراء، وعُثر على رفاتها مرتدية حليا ذهبية وفضية تدل على مكانتها الملكية.
إلى أن نلتقي في ملحمة الإنجاز التاريخي وغير المسبوق لأسود الأطلس، ومنذ 40 سنة، حيث إن إنجازا أفريقيا عربيا لمصر جاء بعد انتظار قرن من الزمن للتأهل إلى الدور الثاني، فيما تأهل شباب المغرب للمرة الثانية، وعلى التوالي، إلى دوري ربع النهائي.
نقول لإخوتنا في مصر، من صحفيين وممثلين وغيرهم: أليس بينكم رجل رشيد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.