الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
يشهد الموسم الفلاحي الحالي إنتاجًا وفيرًا وحصادًا واعدًا، بعد أمطار مواتية وتربة خصبة بشرت بموسم استثنائي. لكن الفرحة بهذا الموسم لا تكتمل، إذ يواجه الفلاحون تحديات متراكمة تحوّل هذا الحصاد الوفير إلى مصدر قلق، وتضعهم في سباق حقيقي مع الوقت لإنقاذ محاصيلهم قبل فوات الأوان.
تعود جذور هذه المعاناة إلى نقص حاد في آلات الحصاد الحديثة، حيث تغطي المعدات المتاحة جزءًا يسيرًا من المساحات المزروعة، مما يضطر الفلاحين إلى انتظار دورهم لأسابيع طويلة. خلال فترة الانتظار هذه، تتعرض الحبوب الناضجة للسقوط على الأرض أو التلف بفعل الرياح والأمطار، وهو ما يترتب عليه خسائر كبيرة قبل أن تبدأ عملية الحصاد فعلًا.
كما تمتد الأزمة إلى مرحلة ما بعد الحصاد، وتحديدًا إلى عملية جمع التبن الذي يُعد مادة علفية أساسية للماشية. فقلة آلات الكبس والجمع تؤدي إلى بقاء كميات كبيرة من التبن في الحقول، معرضة للتلف أو الحرق، في وقت يشتد فيه الطلب على هذا المورد الحيوي خلال فصل الشتاء. وهذا النقص في المعدات يفاقم الخسائر ويزيد من أعباء الفلاحين.
إلى جانب نقص الآلات، يعاني القطاع الزراعي من تراجع ملحوظ في عدد الأيدي العاملة الموسمية، إذ يتجه الشباب نحو المدن بحثًا عن فرص عمل أقل مشقة. هذا الفراغ في اليد العاملة يضع الفلاح أمام مساحات شاسعة لا يمكنه بمفرده أو مع أفراد أسرته القلائل تغطيتها، مما يطيل أمد الحصاد ويزيد من احتمالات التلف.
وفي خضم هذه الصعوبات، يظل خطر الحرائق هو الشبح الأكثر إرهاقًا، فالحقول الجاهزة للحصاد تتحول بفعل حرارة الصيف أو أي شرارة صغيرة إلى كتلة لهب سريعة الانتشار. مثل هذه الحرائق، سواء كانت عرضية أو مقصودة، تلتهم في دقائق معدودة ما زرعه الفلاح طيلة عام كامل، تاركة وراءها رمادًا وخسائر لا تُعوض.
لكن المفارقة أن الفلاح الذي ينجح في تجاوز هذه المخاطر ويتمكن من حصاد محصوله وتجميعه، يواجه واقع تراجع أسعار الحبوب والتبن في الأسواق. فوفرة الإنتاج تؤدي إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات لا تغطي حتى تكاليف النقل، بينما تواصل تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات ومازوت ارتفاعها المستمر، مما يجعل المعادلة المالية صعبة التحقيق.
يطرح الفلاحون اليوم سؤالًا مشروعًا حول كيفية إنقاذ هذا الموسم، ويدعون إلى حزمة من الحلول العملية التي تشمل توفير آلات الحصاد وجمع التبن بنظام الإيجار التشاركي أو الدعم، ومراقبة أسعار الحبوب لضمان عدالتها، وتعويض المتضررين من الحرائق بشكل سريع، إضافة إلى تحسين ظروف العمل لجذب الأيدي العاملة الشابة إلى القطاع الزراعي.
الوقت يمضي سريعًا، والفرصة لا تزال قائمة لإنقاذ موسم واعد قد يتحول إلى شهادة نجاح للزراعة المحلية، أو إلى خسارة فادحة تدفع العديد من العائلات إلى مغادرة هذا القطاع الحيوي. الحلول متاحة، لكنها تحتاج إلى تحرك سريع ومشترك قبل أن تنطفئ آخر بشرة خير على هذه الأرض.