الدعارة لا تقتحم المجتمعات فجأة: جذور تمتد في الصمت والإهمال

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في المشهد الاجتماعي، لا تظهر الظواهر السلبية كالطوفان المفاجئ، بل تتسلل بهدوء عبر شقوق الإهمال والتسامح الخاطئ. الدعارة ليست استثناء، فهي وليدة تراكمات صامتة من الفقر، التفكك الأسري، وضعف الرقابة، وغياب الحماية الاجتماعية.

تبدأ القصة غالباً في بيوت تفتقد الدفء، حيث يشب الأبناء والبنات على جوع عاطفي يبحثون عن تعويضه خارج الأسوار. هنا، يصبح الشارع ملاذاً مشوهاً، وسرعان ما يستغل ضعفاء النفوس هذه الثغرات لتحويل الجوع إلى سلعة.

وفي غياب سياسات وقائية جادة، تتحول الهشاشة الاقتصادية إلى وقود لهذه التجارة. لا يحتاج الأمر إلى فقر مدقع فقط، بل إلى شعور باليأس من أي أفق مشروع. عندما تغدو البطالة مرادفة للضياع، وتُغلق المدارس ومراكز التدريب أبوابها في وجه الطامحين، تبدأ الموازين الأخلاقية في الاهتزاز، وتصبح الخطيئة حلاً وهمياً للبقاء.

لكن الأكثر خطورة هو الصمت المجتمعي المنافق. ففي كثير من الحالات، يُطارد الضحايا لا المستغلون، وتُوصم الفتيات بينما يفلت السماسرة والعصابات. هذا النفاق يخلق بيئة خصبة للجريمة المنظمة، التي تدير هذه التجارة ببرودة وتجردها من أي سياق إنساني.

لذا، فإن مواجهة الدعارة لا تبدأ بالمداهمات والاعتقالات فقط، بل بجروح أعمق: تعليم يمنح أملاً حقيقياً، حماية اجتماعية تلتقط الفتيات قبل السقوط، وقضاء يعاقب المستغلين لا المستغَلين. وإلا، فكل حملة أمنية ستكون مجرد مسكنات مؤقتة، بينما يظل المرض ينخر في الجسد المجتمعي بهدوء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.