العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان تفتح ملف الحقوق والحريات في الذكرى الخامسة عشرة لدستور 2011

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

بعد مرور خمسة عشر عاما على إقرار دستور المملكة المغربية لسنة 2011، عاد النقاش حول واقع الحقوق والحريات إلى الواجهة، إثر إصدار العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريرا تقييميا قدمته، اليوم الجمعة، بمناسبة هذه الذكرى الدستورية. التقرير لم يكتف باستعراض ما تحقق منذ اعتماد الوثيقة الدستورية، بل سلط الضوء على ما وصفه بالفجوة المستمرة بين النصوص الدستورية والممارسة العملية، مؤكدا أن العديد من الضمانات التي نص عليها الدستور لم تتحول بعد إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ويرى التقرير أن الإشكال لا يكمن في مضامين الدستور بقدر ما يرتبط بآليات تنزيله وتأويل مقتضياته وتفعيلها على أرض الواقع، معتبرا أن عددا من الحقوق والحريات التي شكلت جوهر الإصلاح الدستوري لسنة 2011 لا تزال تواجه تحديات قانونية ومؤسساتية وسياسية تحد من فعاليتها.

فجوة بين الدستور والتطبيق

اعتبرت العصبة أن دستور 2011 جاء بمجموعة من المقتضيات المتقدمة في مجال حقوق الإنسان، إذ نص على حماية واسعة للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وربطها بالمواثيق الدولية، غير أن التطبيق العملي، وفق التقرير، لم يواكب الطموحات التي حملها النص الدستوري.

وأوضح التقرير أن مرور خمسة عشر عاما كان كافيا لاختبار مدى قدرة المؤسسات على ترجمة هذه المقتضيات إلى سياسات وإجراءات عملية، إلا أن التجربة كشفت استمرار وجود مسافة واضحة بين الضمانات القانونية والواقع، الأمر الذي انعكس على عدد من الملفات المرتبطة بالحريات العامة والحقوق الأساسية.

الحق في الحياة والسلامة الجسدية

ومن بين أبرز القضايا التي توقف عندها التقرير، الحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية، باعتباره أول الحقوق التي كرسها الدستور. ورغم الحظر الدستوري للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، يرى التقرير أن استمرار النقاش حول عقوبة الإعدام، إلى جانب تسجيل مزاعم تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة في بعض الحالات، يفرض الانتقال من مجرد الإقرار القانوني إلى توفير آليات فعالة للوقاية والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

وأكدت العصبة أن احترام الكرامة الإنسانية ينبغي أن يظل أساس جميع السياسات العمومية والإجراءات الأمنية والقضائية، بما يضمن حماية فعلية للحقوق الأساسية.

حرية التعبير والصحافة

ويخصص التقرير حيزا مهما لواقع حرية الرأي والتعبير والصحافة، معتبرا أنها من أكثر المجالات التي تعكس التباين بين النصوص الدستورية والممارسة.

فالدستور يضمن، بحسب التقرير، حرية الفكر والرأي والتعبير والصحافة، ويمنع الرقابة القبلية، إلا أن الواقع يشهد، وفق العصبة، استمرار متابعات مرتبطة بالتعبير أو النشر بالاستناد إلى مقتضيات القانون الجنائي، بدل الاقتصار على قانون الصحافة والنشر.

وترى العصبة أن هذا الوضع ينعكس سلبا على مناخ حرية الصحافة، ويؤثر في قدرة الإعلام على القيام بأدواره في الرقابة والمساءلة وإغناء النقاش العمومي، داعية إلى مراجعة المنظومة القانونية بما يضمن عدم تجريم التعبير السلمي، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات باعتباره أحد أهم ركائز الشفافية والحكامة الجيدة.

حرية التنظيم والاحتجاج

كما توقف التقرير عند أوضاع حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات، مشيرا إلى استمرار حالات المنع أو التقييد في بعض الملفات، رغم الضمانات التي ينص عليها الدستور.

ودعت العصبة إلى اعتماد مقاربة حقوقية في التعامل مع الاحتجاجات السلمية، والانتقال من منطق الضبط الأمني إلى منطق حماية الحقوق والحريات، مع احترام حق المواطنين في التنظيم، وتسهيل حصول الجمعيات على وصولات الإيداع، ووضع حد لكل الممارسات التي تعرقل عملها.

وترى الهيئة الحقوقية أن المجتمع المدني يشكل شريكا أساسيا في ترسيخ الديمقراطية وتعزيز المشاركة المواطنة، وهو ما يقتضي توفير بيئة قانونية ومؤسساتية داعمة لعمل الجمعيات.

الحقوق الاجتماعية.. بين النص والواقع

وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، اعتبر التقرير أن أحد أكبر رهانات التجربة الدستورية يتمثل في تحويل الحقوق الاجتماعية من مبادئ عامة إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.

وأشار إلى أن الحقوق المرتبطة بالصحة والتعليم والشغل والسكن والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وارتفاع معدلات البطالة والهشاشة، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وصعوبة الولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية.

وأكد التقرير أن الحديث عن دولة اجتماعية يظل مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق وضمان تكافؤ الفرص وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

اختلال في توازن السلط

وفي تقييمه للأداء المؤسساتي، سجل التقرير وجود اختلالات في التوازن بين السلط، رغم التنصيص الدستوري على مبدأ الفصل بينها وتعاونها.

وأوضح أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أثارت تساؤلات بشأن فعالية الرقابة البرلمانية، ومدى قدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة اختصاصاتها كاملة، فضلاً عن حدود المسؤولية السياسية للحكومة في عدد من السياسات العمومية ذات الصلة المباشرة بحقوق المواطنين.

ويرى التقرير أن غموض تحديد المسؤوليات في بعض الملفات ينعكس سلباً على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يعد أحد أهم مرتكزات الحكامة الدستورية.

استقلال القضاء وتنفيذ الأحكام

وفي ما يتعلق بالسلطة القضائية، أشار التقرير إلى أن استقلال القضاء يظل أحد أهم ركائز دولة القانون، لكنه سجل استمرار إشكالية عدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الإدارة.

واعتبرت العصبة أن احترام الأحكام القضائية وتنفيذها يشكل معياراً أساسياً لقياس مدى سيادة القانون، لأن عدم التنفيذ يضعف ثقة المواطنين في العدالة ويؤثر على الأمن القضائي والاستقرار القانوني.

كما نبه التقرير إلى اتساع الشعور بعدم الإنصاف لدى فئات من المواطنين، داعياً إلى معالجة هذا الإحساس من خلال إصلاحات تعزز جودة العدالة وفعاليتها.

هيئات الحكامة أمام تحديات الفعالية

وفي محور آخر، تناول التقرير وضعية مؤسسات الحكامة المنصوص عليها في الدستور، معتبراً أن الإشكال لا يرتبط فقط بوجود هذه المؤسسات، وإنما بمدى استقلاليتها وقدرتها على التأثير الفعلي في السياسات العمومية.

وأشار إلى أن عددا من الهيئات الدستورية ما تزال تعاني من محدودية الأثر الإلزامي لتوصياتها وتقاريرها، كما أن بعض المؤسسات التي نص عليها الدستور لم تر النور بعد رغم مرور سنوات على اعتماد القوانين المنظمة لها.

وأكد التقرير أن تعزيز الحكامة يقتضي توفير مؤسسات مستقلة وقوية، قادرة على متابعة تنفيذ توصياتها والمساهمة الفعلية في حماية الحقوق وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

توصيات لتعزيز الحقوق والحريات

واختتمت العصبة تقريرها بحزمة من التوصيات الرامية إلى تعزيز الثقة في المؤسسات والارتقاء بمنظومة حقوق الإنسان، من بينها مراجعة القوانين التنظيمية والقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، واستكمال ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، وتعزيز استقلال القضاء، وتيسير آليات الدفع بعدم دستورية القوانين، وتقوية دور المحكمة الدستورية وهيئات الحكامة.

كما أوصت بالإفراج عن المعتقلين الذين تعتبر أنهم يتابعون على خلفية ممارسة حقوقهم في التعبير أو الاحتجاج السلمي، وعلى رأسهم معتقلو حراك الريف ومعتقلو “شباب زد”، إلى جانب الحد من الاعتقال الاحتياطي، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، ومراجعة طرق تدبير الاحتجاجات، وتوفير حماية أكبر للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي ختام التقرير، شددت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان على أن المرحلة المقبلة تستدعي إصلاحات هيكلية عميقة تتجاوز المعالجات الظرفية، من أجل تعزيز التوازن بين السلط، وترسيخ الديمقراطية التشاركية، وتقوية استقلال القضاء، والرفع من فعالية هيئات الحكامة، بما يضمن الانتقال من دستور متقدم في نصوصه إلى ممارسة مؤسساتية تعكس فعلياً مضامينه وتستجيب لتطلعات المواطنين في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.