الانتفاضة/ محمد جرو
تثير طريقة تدبير جلسات غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالعيون، خلال فترة المقاطعة المهنية لهيئة الدفاع، نقاشا متزايدا حول ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصا بعدما جرى التداول بشأن البت في عدد من القضايا الجنائية في غياب المحامين.
ووفق المعطيات المتداولة، عقدت غرفة الجنايات الاستئنافية جلسة بتاريخ 29 يوليوز 2026، تم خلالها البت في أكثر من 13 ملفا، من بينها قضايا تتعلق بالأحداث، في سياق استمر فيه غياب هيئة الدفاع عن الجلسات لمدة تقارب شهرا كاملا.
وتكتسي هذه المعطيات حساسية خاصة بالنظر إلى طبيعة القضايا المعروضة أمام غرفة الجنايات، وما قد يترتب عنها من آثار خطيرة على المتابعين، فضلا عن خصوصية الملفات التي يكون أطرافها من الأحداث، باعتبارهم فئة تحظى بضمانات وحماية إجرائية خاصة بموجب القانون.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد حضور شكلي للمحامي، وإنما بجوهر الحق في الدفاع ومبدأ تكافؤ وسائل الدفاع، باعتبارهما من الركائز الأساسية لأي محاكمة تستوفي شروط العدالة والإنصاف. ولذلك فإن استمرار البت في قضايا جنائية في غياب الدفاع يطرح، وفق عدد من المهتمين بالشأن القضائي والحقوقي، أسئلة تستحق النقاش القانوني والمؤسساتي الهادئ.
وفي مقابل ذلك، يظل من الضروري التمييز بين المقاطعة المهنية للمحامين وبين الحقوق الإجرائية للمتهمين، إذ إن الخلاف المهني بين المؤسسات القضائية وهيئة الدفاع لا ينبغي أن يتحول، بأي شكل من الأشكال، إلى وضع قد يمس بحقوق الأشخاص المتابعين أمام القضاء.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع ما أثير، في سياق منفصل، بشأن تعليل قرار استئنافي سابق أثار جدلا إعلاميا وقانونيا، بعدما عبر عدد من الممارسين والباحثين في المجال القانوني عن ملاحظات وانتقادات قوية بخصوص صياغة تعليله، وذهب بعضهم إلى اعتبار أن بعض ما ورد فيه يطرح إشكالات جدية على مستوى التعليل القضائي.
وإذا كانت الأحكام القضائية تخضع لطرق الطعن والمراجعة التي يحددها القانون، فإن النقاش العلمي حول جودة التعليل يظل مشروعا، بل ضروريا، باعتبار أن تعليل الأحكام يشكل إحدى أهم ضمانات الشفافية القضائية، ويمكن المتقاضي من فهم الأسس القانونية والواقعية التي بني عليها الحكم.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: أين مؤسسات حقوق الإنسان والهيئات المدنية المعنية بالدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة؟ وهل تابعت هذه الجهات ما يجري داخل المحكمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات جنائية وملفات أحداث؟.
إن إثارة هذه الأسئلة لا تعني إصدار أحكام مسبقة بشأن قانونية الإجراءات المتخذة، ولا التشكيك في استقلال القضاء، وإنما تعكس الحاجة إلى نقاش مؤسساتي مسؤول حول ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع، وخصوصية قضايا الأحداث، وجودة التعليل القضائي.
فالقضاء القوي لا يخشى النقاش، والمؤسسات الحقوقية الفاعلة لا تكتفي برصد الانتهاكات بعد وقوعها، بل تتابع الوقائع وتطرح الأسئلة في وقتها. وبين استقلال القضاء وحق الدفاع، تظل المحاكمة العادلة هي الغاية التي ينبغي أن تتقدم على كل الخلافات المهنية والمؤسساتية.