إمرأة مجهولة تنقذ تمدرس طفلتين بعدما بقيت النداءات الموجهة للوزارة المعنية دون إستجابة!

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

وماذا لو كانت أسرة قد دفعت، على مدى سنوات، 380 ألف درهم مقابل تعليم ابنتيها، لتجد نفسها عند أول تعثر مالي، أمام باب مغلق في وجهها؟

السؤال قد يبدو صادماً، وربما مبالغاً فيه لو لم تكن وراءه قصة أسرة مغربية في مدينة سلا، حكاية طفلتين كانتا تستعدان لموسم دراسي جديد، فإذا بهما تجدَان نفسيهما في قلب خلاف مالي لم تصنعا أسبابه ولا تملكان حله.

الحكاية بدأت من أسرة اختارت، لسنوات، أن تضع تعليم ابنتيها في مؤسسة خاصة، وتحمّلت مقابل ذلك كلفة مالية كبيرة، إذ بلغ مجموع ما دفعته إلى المؤسسة، بحسب المعطيات المرتبطة بالقضية، حوالي 380 ألف درهم، أي ما يعادل 38 مليون سنتيم.

لم يكن الأمر يتعلق بموسم دراسي واحد، ولا بمبلغ بسيط، وإنما بسنوات من الدراسة والواجبات والمصاريف، التي تحملتها الأسرة حتى تضمن لابنتيها مساراً تعليمياً مستقراً، لكن ظروف الأسر لا تبقى دائماً كما هي.فقد تغيرت الوضعية المالية للأسرة، ولم يعد بإمكانها الاستمرار في تحمل كلفة التعليم الخاص بالشكل نفسه، فاختارت حلاً يبدو في ظاهره بسيطاً: الانتقال بابنتيها إلى التعليم العمومي ومواصلة دراستهما هناك.

لم تكن الأسرة، بحسب روايتها، تطلب إعفاءها من الدين، ولم تكن تقول إنها لن تؤدي ما تبقى عليها، وإنما كان هناك مبلغ متأخر قدره 18 ألف درهم، وهي مستعدة لأدائه، ولو بشكل تدريجي، إلا أن المشكلة بدأت تحديداً عند هذه النقطة.

فقد توجهت الأسرة إلى إدارة المؤسسة الخاصة بمدينة سلا من أجل الحصول على وثيقتي انتقال ابنتيها، حتى تتمكنا من الالتحاق بمؤسسة عمومية، غير أن مدير المؤسسة رفض تسليم الوثيقتين، بحسب رواية الأسرة

حاولت الأسرة إيجاد حل، واستعانت حتى بمفوض قضائي، لكن الرفض، وفق الرواية نفسها، ظل قائماً وبشكل قطعي.

وبحسب ما تم تداوله في القضية، فقد جاء جواب المدير بعبارة أثارت استياء الأسرة: «حنا مؤسسة ديال الفلوس، حنا ماشي مؤسسة خيرية» هنا لم يعد الأمر يتعلق بمجرد مبلغ مالي كيفما كان قدره، لأن من يتفوّه بهذه العبارة لا يمكن أن يمتّ بصلة إلى مهنة إنسانية أو اخلاقية أو تربيوية، إنها عبارة تخلو من كل تعاطف كان من شأنه أن يكسر حدة الظرف وإن لم يكن بيده حيلة، موقف يخلو من كل محاولة لايجاد حلّ رضائي او وسطي، أو ما من شأنه أن يُخرج انتقال الفتاتين من دائرة الخلاف المادي.

الأولى هي كنزة، التي يفترض أن تنتقل هذا الموسم إلى المستوى الثاني إعدادي، والثانية أختها الصغرى ياسمين، التي كان مقرراً أن تلتحق بالمستوى الرابع ابتدائي، طفلتان كانتا تريدان فقط أن تنتقلا من مؤسسة إلى أخرى، لكن خلافاً مالياً بين أسرتهما ومؤسسة تعليمية حال دون ذلك.

وهنا يصعب ألا يتوقف المرء عند السؤال الأكثر بساطة والأكثر قسوة في الوقت نفسه: إذا كان هناك مبلغ مالي مستحق، فلماذا لا تتم متابعة هذا المبلغ وفق المساطر القانونية الخاصة بالمطالبات المالية، بدل أن يجد طفل نفسه في قلب النزاع؟

فالمؤسسة لها حق المطالبة بمستحقاتها، والأسرة عليها التزاماتها، لكن هل ينبغي أن يصبح الطفل واستمرار تمدرسه محلّ احتجاز وعرقلة؟

الفصل 31 من الدستور المغربي ينص على استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في التعليم، باعتباره حقا مشروعا لا يجب أن تمتد إليه أيادي الخلافات، وهو ما يجعل مثل هذه الوقائع جديرة بالنقاش والمساءلة والوقوف على مكامن الخلل وتحديد الحلول، ليس فقط من زاوية العلاقة المالية بين الأسرة والمؤسسة، وإنما من زاوية حماية المسار الدراسي للطفل عندما يقع خلاف بين الطرفين.لكن المفارقة الأكبر جاءت بعد ذلك، حين لم تجد الأسرة مخرجاً سريعاً وقررت الأم أن ترفع صوتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلت الحكاية إلى مؤثرة مغربية تدعى “ساهوما”، معروفة على منصة «تيك توك» باهتمامها بالشأن الداخلي، والتي تقطن خارج المغرب إن صحت معلوماتنا في هذا الأمر، هذه الأخيرة التي قررت أن تتحدث عن وضع الأسرة دون الكشف عن هويتها، ووجهت نداءً عاماً إلى وزارة التربية الوطنية والجهات المعنية والأحزاب السياسية وكل من يمكنه التدخل.

فلم يكن النداء بحثاً عن امتياز خاص لطفلتين، بل كان سؤالاً عن مصيرهما الدراسي وعن سبب تعذر حصولهما على وثيقتي الانتقال بسبب مبلغ مالي متبق، عن طبيعة القانون الذي يؤطر التعليم الخصوصي، والذي يمنح المؤسسات الخاصة صلاحية الامتناع عن منح شهادة الانتقال وعرقلة التحاق ثلميذ بفصله إلى حين أداء المبلغ المالي المتبقي، في الوقت الذي تنادي فيه وزارة التعليم بمحاربة الهدر المدرسي وأسبابه؟ ما هذه الثغرة الفارقة؟ ولمذا لم يتم التعامل مع منابع الهدر المختلفة والتي لا ترتبط دائما بالقرى النائية والدواوير، والتي يمكن ان تنبثق من داخل المجال الحضري، من داخل المدن الكبرى وما أكثرها، وواقعتنا اليوم خير مثال عنها، ناهيك عن غيرها من الاعداد الكبيرة لحالات الهدر التي قد تشابهها.

أما تتمة قصة كنزة وياسمين فقد أخذت القصة مساراً لم يكن متوقعاً، فالناس على مواقع التواصل الاجتماعي بدأوا يتفاعلون، البعض شارك المنشور، والبعض تحدث عن الموضوع في فيديوهات، وآخرون كتبوا تعليقات، إلى أن وصلت خيوط  القصة إلى إمرأة مجهولة، قررت أن تتفاعل مع الأمر بشكل ايجابي وبشكل غير مُعلن، حيث اختارت وساطة فنان مغربي، اهتم بالتواصل مع المؤثرة، ليخبرها بأن امرأة لم ترغب في الكشف عن اسمها تأثرت بما حدث للطفلتين، وقررت أن تتكفل بالمبلغ المتبقي.

لم تكن تلك المرأة تبحث عن الشهرة، ولم تطلب أن يعرف الناس اسمها، وكل ما أرادته، بحسب الرواية التي نقلتها المؤثرة، هو أن تنتهي المشكلة، لأنها رأت في كنزة وياسمين ما يشبه ابنتيها

وبما أن المؤثرة كانت خارج المغرب، فقد تسلم الفنان المبلغ منها، ثم انتقل من الدار البيضاء إلى سلا، حيث توجد المؤسسة التعليمية المعنية، هناك أدى مبلغ 18 ألف درهم، وحصل على وصل الأداء، ثم أرسله إلى المؤثرة.

بعدها تواصلت “ساهومة” مع والدة الطفلتين وأبلغتها بأن بإمكانها التوجه في اليوم الموالي لتسلم وثيقتي الانتقال، وهكذا، بعد كل ذلك الانتظار، أصبحت كنزة وياسمين قادرتين على الانتقال إلى التعليم العمومي ومواصلة دراستهما.

فقد تبدو النهاية سعيدة، وفي جانب منها هي كذلك، إمرأة لا تعرف الأسرة قررت أن تدفع من مالها، وفنان قطع المسافة بين مدينتين، ومؤثرة استعملت منصتها، ومواطنون شاركوا القصة حتى وصلت إلى من استطاع حلها. لكن أليست في هذه النهاية نفسها مفارقة تستحق أن نتوقف عندها؟

لماذا احتاجت أسرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي حتى تجد من يسمع صوتها؟

لماذا كان الحل في النهاية فردياً وتضامنياً، بعدما ظل السؤال موجهاً إلى المؤسسات والجهات المعنية؟

وماذا كان سيحدث لو لم تصل القصة إلى “ساهومة”؟ ولو لم توجد امرأة مستعدة لأداء المبلغ؟

كما أنّ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما نعلم أن كنزة وياسمين قد لا تكونان حالة منفردة.

فكم من أسرة قد تجد نفسها في وضع مشابه ولا تعرف كيف تتصرف؟ وكم من أب أو أم قد يختار الصمت بدل الدخول في مواجهة مع مؤسسة تعليمية؟ وكم من طفل يمكن أن يبتعد تدريجياً عن المدرسة لأن مشكلة أسرته لم تجد من يتدخل في الوقت المناسب؟

الهدر المدرسي لا يبدأ دائماً من قرية نائية أو من أسرة تعيش في أقصى درجات الفقر، فأحياناً يمكن أن يبدأ من قلب المدينة، يمكن أن يبدأ داخل أسرة دفعت مئات الآلاف من الدراهم لتعليم أبنائها، ثم تغيرت ظروفها فجأة، ويمكن أن يبدأ من مبلغ متأخر، أو نزاع إداري، أو مسطرة غير واضحة، أو عجز عن الوصول إلى الجهة القادرة على التدخل، وهذا بالضبط ما يجعل قصة طفلتين في سلا أكبر من قصة 18 ألف درهم.

المغرب الذي يريد أن يحارب الهدر المدرسي لا يحتاج فقط إلى برامج لإعادة الأطفال الذين غادروا المدرسة، بل يحتاج أيضاً إلى أن يكتشف نقاط الخطر قبل أن يتحول الطفل إلى واحد من أرقام المنقطعين عن الدراسة.

والمغرب الذي حقق خلال السنوات الماضية تحولاً كبيراً في البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية والنقل والطاقة والاستثمار، لا يمكنه أن يعتبر معركة التنمية مكتملة ما دامت بعض الأسر ما زالت تصطدم، في تفاصيل حياتها اليومية، بعوائق تمس أبسط حقوق أبنائها.

لا أحد ينكر ما تحقق، ولا أحد يطلب إيقاف الأوراش الكبرى، لكن ما قيمة الطريق السريع إذا ظل الوصول إلى المدرسة صعباً؟ وما قيمة المشروع الكبير إذا لم يشعر الطفل في آخر الدوار بأن مستقبله جزء من هذه التنمية؟ وما معنى أن نتحدث عن إصلاح التعليم إذا كان النقاش حول جودته سرعان ما ينكمش؟

ثم هناك جرح آخر لا يقل أهمية: ماذا الذي يتعلمه الطفل داخل المدرسة،وما الذي يعلق في ذهنه كمكتسبات حقيقية، وهل ذلك ما سيدعم تقدمه وتطوره التعليمي فيما يلي من مستويات دراسية؟

فنتائج برنامج «PISA 2022» يقدم صورة صعبة عن مستوى التعلمات، إذ لم يبلغ المستوى الثاني على الأقل سوى 18 في المائة من التلاميذ المغاربة في سن 15 سنة في الرياضيات، و19 في المائة في القراءة، و25 في المائة في العلوم، وهي نسب أقل من متوسط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي في المجالات الثلاثة.

وهذا يعني أن المعركة ليست فقط ضد مغادرة المدرسة، وإنما أيضاً من أجل مدرسة تجعل سنوات الدراسة ذات معنى حقيقي بالنسبة إلى الطفل، فما الذي نريد أن نصل إليه خلال السنوات الخمس المقبلة؟

هذا السؤال يأتي هذه المرة في لحظة سياسية دقيقة، تزامنا مع موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم غد الأربعاء 23 شتنبر، لكن الإجابة عنه لا تتعلق باسم مرشح أو شعار حزب بقدر ما تتعلق بالصورة التي يريد المواطن أن يراها لبلده في المرحلة المقبلة.

مواطن يريد مغرباً يواصل بناء المشاريع الكبرى، وفي الوقت نفسه يسرّع معالجة الفوارق التي لا تزال تظهر في القرى والدواوير والمناطق الهشة؟

يريد مدرسة تضمن الدخول إلى الفصل، لكنها تضمن أيضاً الاستمرار فيه؟

يريد منظومة تجعل الخلاف المالي بين مؤسسة وأسرة قابلاً للحل دون أن يدفع الطفل الثمن؟

يريد مؤسسات تتدخل قبل أن تصل الأسرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن من يسمعها؟

قصة كنزة وياسمين انتهت، في هذه الحالة، بوصول المال ووصول وثيقتي الانتقال، لكن السؤال الذي تركته وراءها لم ينته.

فالمجتمع يستطيع أن يتضامن، وهذا شيء يبعث على الأمل، لكن التضامن الفردي لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الحلول المؤسساتية، ولا ينبغي لطفل أن يحتاج إلى مؤثر كي يُسمع صوته، ولا إلى فنان كي يصل طلبه إلى الجهة المعنية، ولا إلى متبرع مجهول كي يستعيد حقه في مواصلة الدراسة أو أي حق من الحقوق المحفوظة في الدستور الذي لا تفعّل فصوله في بعض الأحيان وقصتنا لليوم خير مثال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.