الانتفاضة/ ابراهيم السروت
في كل خطاب سياسي كبير، لا تكمن أهمية الكلمات فقط فيما تقوله، بل أيضا فيما تختار أن تضعه في الواجهة، وما تتركه خارج دائرة الضوء. فالخطاب ليس مجرد تجميع للمعطيات، وإنما هو عملية انتقاء وترتيب للأولويات، تعكس رؤية معينة للمرحلة وللرسائل التي يراد إيصالها إلى المجتمع. ومن هذا المنطلق، يفتح الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بابا واسعا للقراءة والتحليل، ليس فقط من خلال مضامينه المعلنة، ولكن أيضاً عبر الأسئلة التي أثارها غياب بعض الملفات والأرقام عن متن الخطاب.
في لحظة اقتصادية واجتماعية دقيقة، اختار الخطاب التركيز على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وعلى الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب، وعلى التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني رغم التحديات الدولية والإقليمية. الحديث عن النمو، والاستثمارات، والبنيات التحتية، والمشاريع الاستراتيجية، يندرج ضمن رؤية تؤكد أن البلاد تسير في مسار تنموي متواصل، وأن هناك اختيارات كبرى بدأت تعطي نتائجها.
غير أن الاقتصاد لا يقرأ فقط من خلال مؤشرات النمو، مهما كانت أهميتها، بل أيضا من خلال قدرة هذا النمو على خلق فرص حقيقية وتحسين شروط العيش وتقليص الفوارق. وهنا تظهر المسافة بين الأرقام الاقتصادية الكبرى وبين الإحساس اليومي للمواطن. فقد تحقق ارتفاع في بعض المؤشرات، لكن في المقابل ما تزال قضايا مثل بطالة الشباب، وجودة الخدمات العمومية، والولوج إلى الصحة والتعليم، تشكل أسئلة مركزية في النقاش العمومي.
إن التحدي الحقيقي لأي اقتصاد لا يكمن فقط في تحقيق نسب نمو مرتفعة، وإنما في تحويل ذلك النمو إلى فرص اجتماعية ملموسة. فالشاب الذي يبحث عن عمل، والأسرة التي تواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج، والمواطن الذي ينتظر تحسين الخدمات الأساسية، لا يقيسون التنمية فقط بحجم المشاريع المعلنة، بل بمدى انعكاسها على حياتهم اليومية.
ولعل من أبرز عناصر النقاش التي رافقت الخطاب الملكي مسألة العلاقة بين الإنجازات الكبرى والانتظارات الشعبية. فالمغرب عرف خلال السنوات الماضية تحولات مهمة في مجال البنية التحتية، وأطلق مشاريع ضخمة في مجالات مختلفة، من الموانئ والطرق والملاعب والمنشآت الكبرى إلى برامج الحماية الاجتماعية. غير أن نجاح هذه الأوراش يبقى مرتبطا بقدرتها على الوصول إلى المواطن وتحقيق أثر مباشر في حياته.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة الصمت أيضا. فحين يبرز خطاب سياسي أرقاما معينة ويغيب أرقاما أخرى، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تجاهلها أو إنكار وجودها، لكنه يعكس ترتيبا للأولويات والرسائل. فالخطاب الرسمي قد يركز على عناصر القوة والمكتسبات في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تعزيز الثقة والأمل، بينما يرى آخرون أن المرحلة نفسها تتطلب مواجهة أكثر صراحة مع الاختلالات الاجتماعية التي ما تزال قائمة.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يصبح تقييم السياسات العمومية جزءا أساسيا من الحوار المجتمعي. فالمواطن لا ينظر فقط إلى ما تحقق، بل يسأل أيضا عن ما لم يتحقق بعد، وعن مدى قدرة المؤسسات المنتخبة والحكومات المقبلة على معالجة الملفات التي ظلت عالقة.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش ما يسمى بأجيال الشباب الجديدة، التي تعبر عن مطالبها بطرق مختلفة، سواء عبر الفضاءات الرقمية أو المبادرات المدنية. هذه المطالب تتركز غالبا حول قضايا أساسية: الشغل، الصحة، التعليم، تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية. وهي مطالب لا يمكن اختزالها فقط في مشاعر الإحباط أو فقدان الأمل، لأنها تعكس أيضا رغبة في المشاركة وفي البحث عن موقع داخل مشروع التنمية الوطنية.
إن العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تبنى فقط على الأرقام الإيجابية، بل كذلك على القدرة على الاستماع إلى الأصوات المختلفة، وفهم التحولات التي يعرفها المجتمع. فالمواطن قد يفتخر بإنجازات بلاده الكبرى، لكنه في الوقت نفسه يريد أن يرى أثرها في المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، وفي المستشفى الذي يقصده، وفي سوق الشغل الذي ينتظر منه فرصة عادلة.
لقد أصبح المغرب أمام مرحلة تتطلب الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق النتيجة، ومن منطق الإعلان عن المشاريع إلى قياس أثرها. فالمشاريع الكبرى تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى تحسين ملموس في حياة الناس، وعندما يشعر المواطن بأن التنمية ليست مجرد أرقام في التقارير، بل واقع يعيشه يوميا.
إن قراءة الخطاب الملكي تفرض التوازن بين الاعتراف بما تحقق وبين طرح الأسئلة حول ما ينبغي تحقيقه مستقبلا. فالمغرب بلد يعرف تحولات عميقة، ويواجه في الوقت نفسه تحديات اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. وبين خطاب يركز على المكتسبات ونقاش يركز على الاختلالات، يبقى الهدف المشترك هو بناء نموذج تنموي أكثر قدرة على تحقيق العدالة والإنصاف.
في النهاية، ربما لا تكمن أهمية الخطاب فقط في الأرقام التي ذكرها، بل أيضا في الأسئلة التي فتحها. فبين ملاعب ضخمة ومستشفيات تحتاج إلى مزيد من التأهيل، وبين مؤشرات اقتصادية مشجعة وانتظارات اجتماعية ملحة، توجد المسافة التي ينبغي أن تعمل السياسات العمومية على تقليصها. تلك هي المعادلة الأساسية: كيف يتحول الاستقرار الاقتصادي إلى طمأنينة اجتماعية؟ وكيف يصبح النمو فرصة يشعر بها الجميع، وليس مجرد مؤشر تتداوله التقارير؟
التعليقات مغلقة.