الانتفاضة/ ابراهيم السروت
يشهد الإعلام المغربي تحولات عميقة ومتسارعة فرضتها الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي، فلم يعد دوره مقتصرا على نقل الأخبار أو مواكبة الأحداث، بل أصبح فاعلا رئيسيا في صناعة الوعي، وتوجيه النقاش العمومي، ومواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة. وفي ظل هذا الواقع الجديد، بات الإعلام مطالبا بالجمع بين سرعة الوصول إلى المعلومة، واحترام أخلاقيات المهنة، والدفاع عن الحق في الوصول إلى الأخبار الدقيقة والموثوقة.
الإعلام..سلطة رقابية وشريك في الحكامة
لطالما اعتبر الإعلام “السلطة الرابعة”، بالنظر إلى دوره في مراقبة أداء المؤسسات العمومية وكشف الاختلالات ومتابعة تدبير الشأن العام. وفي المغرب، تعزز هذا الدور مع تطور المشهد الإعلامي وتعدد المنابر، حيث أصبحت الصحافة تواكب عمل الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية، وتنقل للرأي العام مختلف القضايا التي تهم المواطنين.
كما يشكل الإعلام جسرا للتواصل بين الدولة والمجتمع، فهو ينقل مطالب المواطنين وانتظاراتهم إلى صناع القرار، ويشرح في المقابل السياسات العمومية والإصلاحات الحكومية، بما يساهم في تعزيز الشفافية وتقوية الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وفي القضايا الوطنية، يضطلع الإعلام المغربي بمسؤولية كبيرة في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، والترافع إعلاميا عن قضية الصحراء المغربية، والتصدي للأخبار المضللة والحملات الإعلامية المعادية، من خلال تقديم معطيات دقيقة تستند إلى الحقائق والقانون الدولي.
الإعلام في خدمة التنمية والمجتمع
لا يقتصر تأثير الإعلام على المجال السياسي، بل يمتد إلى مختلف جوانب التنمية. فوسائل الإعلام تساهم في نشر الثقافة القانونية والصحية والبيئية، وتشجع على التعليم، وتحارب الأمية، وتنخرط في حملات التوعية المتعلقة بالصحة العمومية والسلامة الطرقية ومحاربة المخدرات والعنف.
كما أصبح الإعلام الجهوي والرقمي رافعة حقيقية للتنمية المحلية، من خلال تسليط الضوء على مشاكل الساكنة، ومواكبة المشاريع التنموية، ونقل انشغالات المواطنين إلى المسؤولين، وهو ما منح الجهات المغربية حضورا إعلاميا أكبر، ورسخ مبدأ القرب في التغطية الصحفية.
وفي السياق نفسه، يساهم الإعلام في الحفاظ على الهوية المغربية بمختلف روافدها العربية والأمازيغية والحسانية والأندلسية، عبر البرامج الثقافية والفنية والإنتاجات الوثائقية التي تعزز قيم التنوع والانتماء الوطني.
الإعلام..قطاع اقتصادي متنامٍ
أصبح الإعلام اليوم صناعة اقتصادية متكاملة، تتجاوز العمل الصحفي التقليدي إلى مجالات الإنتاج السمعي البصري، والتسويق الرقمي، والإعلانات، وصناعة المحتوى، والتصميم، والتصوير، وإدارة المنصات الرقمية.
وقد ساهم انتشار الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي في خلق فرص شغل جديدة لآلاف الصحافيين والتقنيين والمصممين والمبرمجين، كما أصبح الاستثمار في الإعلام الرقمي أحد المؤشرات المهمة على تطور الاقتصاد الرقمي بالمغرب.
مشهد إعلامي متنوع ومتجدد
يعرف المغرب اليوم تنوعا واضحا في وسائل الإعلام، حيث يتعايش الإعلام العمومي، والإعلام الخاص، والصحافة الإلكترونية، إلى جانب إعلام المواطن الذي فرضته منصات التواصل الاجتماعي.
فالإعلام العمومي يواصل أداء أدواره في إطار دفاتر التحملات التي تفرض احترام التعددية واللغتين الرسميتين للمملكة، بينما يساهم الإعلام الخاص في تنويع العرض الإعلامي وإثراء النقاش العمومي.
أما الصحافة الإلكترونية، فقد أصبحت المصدر الأول للأخبار بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، خاصة بعد تنظيمها قانونيا بموجب القانون رقم 88.13، الذي منحها إطارا قانونيا يحدد حقوقها وواجباتها.
في المقابل، أحدثت منصات التواصل الاجتماعي تحولا جذريا في إنتاج وتداول الأخبار، حيث أصبح أي شخص قادرا على بث المحتوى والوصول إلى جمهور واسع، وهو ما وسع فضاء حرية التعبير، لكنه في الوقت نفسه زاد من حجم التحديات المرتبطة بالمصداقية والتحقق.
تحديات اقتصادية تهدد استدامة المؤسسات الإعلامية
رغم التطور الذي يعرفه القطاع، فإن الإعلام المغربي يواجه تحديات مالية حقيقية، في مقدمتها تراجع سوق الإعلانات التقليدية، وهو ما أدى إلى اختفاء عدد من الصحف الورقية وتقليص نشاط مؤسسات إعلامية عديدة.
كما تعتمد العديد من المنصات الرقمية على الدعم العمومي أو عائدات الإعلانات الرقمية، وهي مصادر تمويل تظل غير كافية لضمان الاستقرار الاقتصادي للمقاولات الإعلامية والاستثمار في المحتوى المهني عالي الجودة.
الحرية والمسؤولية..معادلة دقيقة
كرس دستور المملكة لسنة 2011 حرية التعبير وحرية الصحافة باعتبارهما من الحقوق الأساسية، غير أن ممارسة هذه الحرية تظل مرتبطة باحترام القوانين المنظمة للمهنة وأخلاقياتها.
فالصحافة المهنية مطالبة بالتوازن بين حق الجمهور في المعلومة، واحترام الحياة الخاصة، وتجنب التشهير ونشر الأخبار غير الدقيقة، مع الالتزام بحق الرد والتصحيح، بما يعزز الثقة في وسائل الإعلام ويصون كرامة الأفراد.
الأخبار الزائفة..التحدي الأكبر
يعد انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة من أخطر التحديات التي تواجه الإعلام المغربي اليوم، خصوصا مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي.
وأصبح المواطن يجد صعوبة في التمييز بين الخبر المهني المبني على مصادر موثوقة، وبين المحتوى الذي يهدف إلى الإثارة أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما يفرض تعزيز ثقافة التحقق من الأخبار، ودعم الصحافة المهنية باعتبارها الضامن الأساسي للمعلومة الدقيقة.
صحافة المستقبل تحتاج إلى كفاءات جديدة
فرضت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي واقعا جديدا على المؤسسات الإعلامية، مما يستوجب الاستثمار في تكوين الصحافيين في مجالات صحافة البيانات، والتحقق الرقمي، والأمن السيبراني، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للمهنة.
فالإعلام الحديث لم يعد يعتمد فقط على سرعة نشر الخبر، بل على جودة التحليل، والقدرة على تفسير الأحداث، وتقديم محتوى موثوق يضيف قيمة حقيقية للقارئ.
نحو إعلام وطني أكثر تأثيرا
لقد قطع الإعلام المغربي أشواطا مهمة منذ مرحلة الإعلام الموجه خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مرورا بمرحلة الانفتاح والتعددية، وصولا إلى العصر الرقمي الذي وسع هامش حرية التعبير بشكل غير مسبوق.
غير أن هذا التطور يضع الإعلام أمام مسؤولية مضاعفة، فكلما اتسعت مساحة الحرية، ازدادت الحاجة إلى ترسيخ المهنية والالتزام بأخلاقيات الصحافة. فالمستقبل لن يكون للأسرع في نشر الخبر، بل للأكثر دقة ومصداقية وقدرة على كسب ثقة الجمهور.
ويبقى الرهان الحقيقي هو بناء إعلام وطني قوي، مستقل، ومسؤول، قادر على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، والدفاع عن قضاياه الوطنية، والمساهمة في ترسيخ الديمقراطية والتنمية، وجعل الحقيقة أساسا لكل ممارسة إعلامية.