البروفسور مولاي عبد المالك المنصوري..اسم بصم المشهد الصحي المغربي بالعطاء والتميز

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في زمن تتعاظم فيه التحديات التي تواجه المنظومات الصحية، يبرز اسم البروفسور مولاي عبد المالك المنصوري كأحد النماذج المغربية الاستثنائية التي جمعت بين الكفاءة العلمية العالية، والخبرة الميدانية الواسعة، والالتزام الإنساني العميق بخدمة المواطن، خاصة في المناطق الهشة والنائية. فمساره المهني والإنساني الممتد عبر عقود من العمل المتواصل يجسد صورة الطبيب والإداري والفاعل المدني الذي جعل من خدمة الوطن والمواطن رسالة قبل أن تكون وظيفة.

بدأ البروفسور المنصوري مساره المهني في ظروف ميدانية صعبة، حيث اشتغل في العالم القروي وفي مناطق المغرب العميق، متنقلا بين الجبال والقرى والدواوير النائية التي تبعد عشرات الكيلومترات عن مدينة إمنتانوت، واضعا خبرته الطبية رهن إشارة ساكنة كانت تعاني من محدودية الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية. كما عمل بمستعجلات مستشفى محمد السادس بشيشاوة، ثم بمصلحة تحاقن الدم، حيث راكم تجربة مهنية مهمة في التعامل مع الحالات الاستعجالية والإنسانية المعقدة.

ولم يقتصر عطاؤه على الممارسة الطبية اليومية، بل انخرط بشكل فعال في إنجاح البرامج الصحية الوطنية، خاصة حملات التلقيح والإعذار وصحة الأم والطفل بالمناطق الهشة، حيث ساهم إلى جانب الأطر الصحية المختلفة في تقريب الخدمات الطبية من الفئات الأكثر هشاشة، مع الحرص على ضمان استمرارية الرعاية الصحية وتحسين المؤشرات الصحية المحلية.

هذه هي الصورة التي شاهدها ملايين المغاربة ،توقيفي لسيارة الإسعاف التي تقل مريضا للقطاع الخاص لإجراء عملية جراحية فأرجعتها للمستشفى العمومي وأجريت العملية بنفسي

وفي المجال الجراحي، اشتغل البروفسور المنصوري أخصائيا في الجراحة العامة بعدد من أقاليم المملكة، من بينها قلعة السراغنة وأزيلال وخريبكة، قبل أن يسجل سابقة متميزة في تاريخ العمل الطبي بالمغرب من خلال اشتغاله كطبيب جراح متطوع بمستشفى محمد السادس بمدينة أبي الجعد، في تجربة جسدت قيم التطوع ونكران الذات والإيمان العميق برسالة المهنة.

كما تولى مسؤوليات إدارية مهمة داخل وزارة الصحة، حيث شغل منصب مندوب إقليمي للصحة بكل من أقاليم قلعة السراغنة والرحامنة والحوز، وهي محطات بصم خلالها على أداء متميز وحضور قوي في تنزيل البرامج الصحية الوطنية وتدبير المشاريع الإصلاحية. وقد حظي خلال هذه المسيرة بتقدير واعتراف عدد من وزراء الصحة الذين نوهوا بمجهوداته الجبارة وتفانيه في العمل وانخراطه المسؤول في الأوراش الإصلاحية الكبرى التي شهدها القطاع الصحي الوطني، كما نال احترام وتقدير كبار مسؤولي وزارة الداخلية نظير كفاءته في تدبير الملفات الصحية ذات البعد الترابي والاجتماعي.

وعلى المستوى الأكاديمي، تمكن البروفسور المنصوري من الفوز في مباراة أستاذ الجراحة بكلية الطب والصيدلة بالعيون، حيث ساهم في تعزيز الإشعاع العلمي للكلية من خلال تنظيم أول مؤتمر دولي للجراحة بمدينة العيون. وقد شكل هذا الحدث العلمي محطة بارزة استقطبت أساتذة وأطباء وجراحين وخبراء من داخل المغرب وخارجه، إضافة إلى مشاركة متميزة لعدد من الأطباء والأساتذة العاملين بالمستشفيات العسكرية المغربية. وقد لقي المؤتمر استحسانا واسعا داخل الأوساط الطبية والعلمية، كما حظي بتنويه خاص من عميدة كلية الطب والصيدلة بالعيون التي اعتبرته حدثا علميا وطبيا رائدا ساهم في تعزيز مكانة المؤسسة الجامعية والانفتاح على التجارب والخبرات الدولية.

ويعد البروفسور المنصوري من أبرز الفاعلين المدنيين بالمملكة، حيث ارتبط اسمه بتنظيم مئات القوافل الطبية داخل المغرب وخارجه، جاب خلالها الجبال والهضاب والقرى النائية والمناطق المعزولة، حاملا رسالة التضامن والرعاية الصحية إلى آلاف الأسر المعوزة. كما أشرف على عمليات إعذار لفائدة آلاف الأطفال في وضعية هشة، وساهم في إجراء العديد من العمليات الجراحية والخدمات الطبية لفائدة فئات واسعة من المجتمع.

وفي إطار شراكاته المجتمعية، أنجز مئات القوافل الطبية بشراكة مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، باعتباره رئيس أول جمعية أبرمت شراكة مع المؤسسة في المجال الصحي، وهو ما مكن من توسيع نطاق التدخلات الاجتماعية والطبية لفائدة الفئات المحتاجة وتعزيز ثقافة العمل التضامني بالمملكة.

كما ترأس الهلال الأحمر المغربي بعمالة مقاطعات عين الشق لسنوات، حيث أشرف على تنظيم العديد من الأنشطة الطبية والعلمية والحملات الصحية المجانية التي استهدفت مختلف الشرائح الاجتماعية، وساهم في نشر ثقافة الوقاية والتوعية الصحية وتعزيز قيم التطوع والعمل الإنساني.

ويعتبر البروفسور المنصوري من أوائل الخبراء الذين انخرطوا في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ انطلاقتها، حيث ساهم بخبرته الطبية والاجتماعية في مواكبة عدد من المشاريع ذات البعد التنموي والصحي، إيمانا منه بأهمية الربط بين التنمية البشرية والارتقاء بالمؤشرات الصحية والاجتماعية للمواطنين.

كما كان له دور بارز في تطوير البنيات الصحية المحلية، حيث ساهم في تجهيز المراكز الصحية التابعة لعمالة مقاطعات ابن امسيك بأجهزة الإيكوغرافيا من خلال رئاسته لجمعية دعم المراكز الصحية بالمنطقة، إضافة إلى تنظيم حملات توعوية لفائدة النساء حول الوقاية من السرطان والكشف المبكر عنه، والمساهمة في إعادة تأهيل مركز علاج داء السل باعتباره من الأمراض التي تتطلب تعبئة مستمرة. ويأتي هذا الانخراط في سياق عضويته بالمكتب التنفيذي للعصبة المغربية لمحاربة داء السل.

وامتدت مبادراته الإنسانية إلى المؤسسات السجنية، حيث أشرف على تنظيم حملات طبية متعددة لفائدة نزلاء عدد من سجون المملكة، كما اشتغل لسنوات طبيبا متطوعا بالمركز الاجتماعي لتيط مليل، مقدما خدماته الطبية لفائدة الفئات الاجتماعية الهشة والمحتاجة.

وخلال جائحة كوفيد-19، كان البروفسور المنصوري في الصفوف الأمامية لمواجهة الأزمة الصحية، حيث أشرف على تدبير المرحلة بإقليم قلعة السراغنة، مساهما في التنسيق بين مختلف المتدخلين وضمان استمرارية الخدمات الصحية. كما برز دوره بشكل لافت عقب زلزال الحوز، حيث أشرف على تدبير الأزمة بكفاءة عالية وحكمة ميدانية كبيرة، وساهم في التنسيق بين أطباء القطاعين العام والخاص ومكونات المجتمع المدني، ما مكن من تقديم استجابة فعالة وسريعة للمتضررين، ونال على إثر ذلك تهاني وتقدير عدد من مسؤولي الدولة.

وتتميز مسيرة البروفسور المنصوري أيضا بعلاقات مهنية متميزة مع أطباء القوات المسلحة الملكية، حيث سبق له أن اشتغل كطبيب مدني بعدد من المستشفيات العسكرية بالمملكة، ما مكنه من بناء شبكة واسعة من العلاقات المهنية القائمة على الاحترام المتبادل والتقدير العلمي، بفضل كفاءته الطبية وأخلاقه العالية وتواضعه المشهود.

إن التجربة المهنية المتنوعة التي راكمها البروفسور مولاي عبد المالك المنصوري بين المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء والمستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط وعدد من المستشفيات الجهوية والإقليمية ومستشفيات القرب، إضافة إلى عضويته في لجنة تتبع المستشفى الجامعي بالعيون، جعلته من أكثر الأطر الصحية إلماما بواقع المنظومة الصحية المغربية وتحدياتها المختلفة.

وبين الطبيب الجراح، والأستاذ الجامعي، والمسؤول الإداري، والفاعل المدني، يظل البروفسور مولاي عبد المالك المنصوري نموذجا وطنيا يجسد قيم الالتزام والكفاءة والتضحية في خدمة الوطن. فمساره الحافل بالعطاء والإنجازات يعكس إيمانا راسخا بأن التنمية الصحية الحقيقية تبدأ من القرب من المواطن، والإنصات لاحتياجاته، والعمل الميداني الجاد من أجل تحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز الحق في العلاج والرعاية لجميع المغاربة، أينما كانوا. (يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.