صور طنجة تربك هواة التأويل التحالفات بالصحراء ليست خبراً جديداً

0

الانتفاضة / سيداتي بيدا

كلما التقطت صورة تجمع مسؤولين ومنتخبين من أحزاب مختلفة، سارع البعض إلى تحويلها إلى مادة للتكهنات السياسية، وكأن مجرد المصافحة أو الجلوس حول طاولة واحدة إعلانٌ عن ميلاد تحالفات جديدة أو إعادة رسم للخريطة الحزبية. غير أن الصور التي التُقطت خلال ملتقى طنجة الأخير تستحق قراءة أكثر هدوءاً وواقعية، بعيداً عن التفسيرات المتسرعة التي تبحث عن الإثارة أكثر مما تبحث عن الحقيقة.

فاللقاءات التي جمعت قيادات وازنة من الأقاليم الجنوبية، وفي مقدمتها شخصيات من حزب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، لا تعكس تحولاً سياسياً مفاجئاً بقدر ما تؤكد واقعاً قائماً منذ سنوات، عنوانه التنسيق المؤسساتي والتعاون في تدبير القضايا الترابية الكبرى. ومن يعتقد أن ظهور الحاج حمدي ولد الرشيد أو محمد ولد الرشيد إلى جانب الراغب حرمة الله ومحمد سالم حمية يشكل حدثاً استثنائياً، يتجاهل طبيعة المشهد السياسي بالصحراء المغربية، حيث ظلت المصالح التنموية والرهانات الاستراتيجية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.الحقيقة أن ما أفرزته الصور هو تكريس لواقع سياسي معروف يتمثل في امتداد تحالف الأغلبية الحكومية إلى المستوى المحلي، حيث يلتقي الفاعلون السياسيون حول مشاريع التنمية وجلب الاستثمار وتعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية داخل الدينامية الوطنية الكبرى التي تعرفها المملكة.

كما تحمل هذه المشاهد رسالة سياسية واضحة مفادها أن قادة النفوذ الانتخابي بالصحراء يدركون أن المرحلة الراهنة لا تحتمل منطق الصراعات الصغيرة أو الحسابات الانتخابية المبكرة، بقدر ما تتطلب توحيد الجهود للدفاع عن المصالح الترابية وتعزيز الحضور المغربي في مختلف فضاءات التعاون الدولي والجهوي.

ومن زاوية أخرى، كشفت صور طنجة عن معطى مهم يتعلق باستمرارية النخب وتجددها في الآن نفسه. فإلى جانب الأسماء التقليدية التي راكمت تجربة طويلة في تدبير الشأن العام، برزت وجوه شابة باتت تفرض حضورها داخل مراكز القرار المحلي، في مؤشر على انتقال سياسي سلس يجمع بين الخبرة والتجديد دون هزات أو صراعات معلنة.

أما ربط هذه اللقاءات بحسابات انتخابية ضيقة، فيبقى قراءة قاصرة لطبيعة المناسبة نفسها. فملتقيات من هذا الحجم تُنظم أساساً لتبادل الخبرات وتعزيز الدبلوماسية الترابية وبناء الشراكات، وليس لإعلان التحالفات أو توزيع التزكيات.

لذلك، فإن صور طنجة لا تؤسس لتحالف جديد، بل تؤكد حقيقة راسخة مفادها أن الأقاليم الجنوبية نجحت في بناء نموذج سياسي يقوم على التنافس الانتخابي من جهة، والتنسيق الاستراتيجي حول القضايا الكبرى من جهة أخرى. وبين الصورتين، يضيع كثير من هواة التأويل وتبقى الوقائع اكثر بلاغة من كل الشائعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.