الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
تثير قضية مرتبطة بتسيير دار ضيافة بمنطقة دار التونسي بمراكش، بحسب معطيات وتصريحات أدلى بها عدد من المتضررين، جملة من التساؤلات حول وضعية العمال والموردين وأصحاب الحقوق، وحول مآل مجموعة من المطالب والشكايات التي يقول أصحابها إنها لم تجد، إلى حدود الآن، الأجوبة الكافية التي تنهي حالة الانتظار التي يعيشونها.
وتأتي هذه القضية في سياق يفترض أن تكون فيه مؤسسات الضيافة والسياحة فضاءات للاستثمار وخلق فرص الشغل واحترام الالتزامات القانونية والتجارية، غير أن روايات المتضررين ترسم صورة مختلفة، تتحدث عن أجور عالقة، ومستحقات مالية لفائدة موردين، وفواتير وشيكات لم يتم صرفها، إلى جانب حديث عن واجبات كراء لم تؤدَّ كاملة، فضلاً عن نزاع يرتبط، وفق تصريحاتهم، بطريقة تدبير المؤسسة ومسؤولية عدد من المسيرين.
وبحسب ما ورد في تصريحات المتضررين، فإن اسمي Frank Lyani وAlexi Rhoul يردان في سياق الحديث عن تسيير الشركة المكلفة بالمؤسسة، غير أن الإشارة إلى أي شخص في سياق هذه القضية لا تعني ثبوت أي مسؤولية جنائية في حقه، إذ تبقى المسؤولية القانونية من اختصاص القضاء، ولا تثبت إلا بناءً على قرارات أو أحكام قضائية نهائية.
أكثر ما يثير الانتباه في هذا الملف هو وضعية العمال الذين يقول بعضهم إنهم وجدوا أنفسهم أمام تأخر في الحصول على أجورهم ومستحقاتهم. فالعمل بالنسبة إلى أي شخص ليس مجرد التزام مهني، وإنما مصدر رزق أساسي تعتمد عليه أسر بأكملها، ولذلك فإن أي تأخر طويل في أداء الأجور يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية حقيقية بالنسبة إلى العامل وأسرته.
وقد سبق أن تم توثيق نداءات لعدد من العمال الذين تحدثوا عن معاناتهم وطالبوا بالحصول على مستحقاتهم. ويطرح هذا الوضع سؤالا أساسيا حول الجهة التي تتحمل مسؤولية ضمان حقوق العاملين، خصوصا إذا كانت هناك خلافات داخل الشركة أو مشاكل مالية أو نزاعات بين الشركاء.
فالعمال، في نهاية المطاف، ليسوا طرفا في القرارات التي تتخذها الإدارة بشأن الاستثمارات أو المصاريف أو العلاقات بين الشركاء. وإذا كانت المؤسسة تواجه صعوبات مالية أو نزاعات داخلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن حماية حقوق العاملين من أن تصبح رهينة لهذه الخلافات.
ولا تتوقف الروايات المتداولة عند ملف الأجور، إذ يتحدث عدد من الموردين والمتعاملين عن مستحقات مالية عالقة مقابل خدمات أو مواد تم تقديمها للمؤسسة. كما ترد، وفق تصريحاتهم، إشارات إلى شيكات وفواتير وديون لم تتم تسويتها، وهو ما يوسع دائرة المتضررين ويدفع إلى التساؤل عن الوضعية المالية الحقيقية للمؤسسة خلال الفترة التي ظهرت فيها هذه المشاكل.
ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يكون أول مطلب هو الكشف عن الوثائق والمستندات التي يمكنها تحديد حقيقة الالتزامات المالية، ومن قام بتوقيعها، وما إذا كانت الخدمات قد تم تقديمها فعلاً، وما إذا كانت المستحقات لا تزال قائمة، وما هي الأسباب التي حالت دون تسويتها.
وهنا لا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات إلى أي طرف، وإنما بضرورة الوصول إلى الحقيقة من خلال الوثائق والعقود والفواتير والكشوفات المالية، إضافة إلى الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك إدارة المؤسسة والشركاء والعمال والموردون والجهة المالكة.
ومن بين الملفات التي تثير التساؤلات كذلك الحديث عن واجبات الكراء. فبحسب روايات المتضررين، فإن الجهة المالكة للمؤسسة لم تتوصل بكامل المستحقات المرتبطة بالكراء، وهو ما يضيف بعدا آخر إلى القضية.
وفي حال وجود نزاع فعلي حول واجبات الكراء، فإن تحديد المسؤوليات يتطلب الاطلاع على العقد المبرم بين الأطراف، ومعرفة شروط الأداء ومدته والالتزامات التي يتحملها كل طرف، فضلا عن التحقق من المبالغ المؤداة وتلك التي بقيت عالقة.
كما أن معرفة الوضعية المالية للمؤسسة تظل عنصرا أساسيا لفهم ما حدث. فإذا كانت المؤسسة تواصل نشاطها وتستفيد من خدمات العمال والموردين، فمن المشروع التساؤل حول كيفية تدبير مداخيلها والتزاماتها، ومن كان يتولى اتخاذ القرارات المالية، ومن كان يوقع العقود والشيكات والالتزامات المختلفة.
وتزداد حساسية الملف مع تداول معطيات حول مغادرة أحد الشركاء إلى فرنسا، في حين يوجد شريك آخر بالمغرب، بحسب ما يصرح به المتضررون. كما يتحدث هؤلاء عن وجود شكايات وإجراءات قضائية، بل وعن مذكرة بحث في حق أحد المعنيين بالأمر.
غير أن مثل هذه المعطيات تظل بحاجة إلى التحقق من الجهات المختصة، لأن وجود مذكرة بحث من عدمه مسألة قانونية دقيقة لا يمكن حسمها استنادا إلى تصريحات الأطراف وحدها. وإذا كانت هناك مذكرة بحث سارية بالفعل، فإن السؤال يصبح متعلقا بمآل تنفيذها والإجراءات القانونية المرتبطة بها، أما إذا لم تعد سارية أو طرأت عليها مستجدات قضائية، فمن المهم أن يتم توضيح ذلك عبر القنوات الرسمية.
ومن هنا تأتي أهمية تدخل الجهات المختصة، ليس بهدف إدانة أي شخص، وإنما من أجل وضع حد لحالة الغموض التي تحيط بالملف، وتحديد ما إذا كانت الشكايات المقدمة قد وصلت إلى مراحل متقدمة من البحث أو التحقيق، وما إذا كانت هناك إجراءات قضائية قائمة، وما هو مآلها.
كما أن الحديث عن احتمال وجود أشخاص يساعدون أحد الأطراف على الاختفاء أو يوفرون له الحماية يبقى مجرد ادعاء ما لم تدعمه أدلة وتحقيقات رسمية. ومن واجب الصحافة أن تفرق بين ما هو ثابت بالوثائق، وما هو تصريح صادر عن متضرر، وما هو مجرد استنتاج أو ادعاء يحتاج إلى إثبات.
أما مسألة الجنسية الفرنسية التي يتم تداولها في سياق القضية، فلا ينبغي أن تتحول بدورها إلى أساس لأحكام مسبقة. فالجنسية، في حد ذاتها، لا تعني الحصانة من القانون، كما أن حمل جنسية أجنبية لا يثبت وجود أي تدخل أو حماية أو امتياز غير قانوني. المعيار الحقيقي يجب أن يكون هو احترام الإجراءات القانونية وتطبيقها على الجميع وفق القواعد المعمول بها.
وفي مثل هذه القضايا، يبقى القضاء والجهات المختصة صاحبة الاختصاص في تحديد المسؤوليات. فالصحافة تستطيع طرح الأسئلة ونقل شهادات المتضررين والبحث عن الوثائق والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل القضاء أو أن تصدر أحكاما بالإدانة.
ولذلك فإن المطلوب اليوم هو فتح تحقيق جدي وشامل، إذا كانت الشروط القانونية لذلك متوفرة، والاستماع إلى جميع الأطراف، والتحقق من وضعية العمال والموردين، وفحص العقود والفواتير والشيكات والالتزامات المالية، وتحديد المسؤوليات وفق ما تثبته الوثائق والقوانين.
كما أن من حق الأطراف التي ترد أسماؤها في هذا الملف أن تقدم توضيحاتها ووثائقها وأن ترد على ما تعتبره ادعاءات غير صحيحة. فالتحقيق الصحفي المتوازن لا يكتمل إلا بسماع الطرفين، ولا يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال رواية واحدة مهما كانت تفاصيلها.
وفي المقابل، فإن حقوق العمال والموردين وأصحاب المستحقات لا ينبغي أن تبقى معلقة إلى أجل غير محدد. فكل تأخير في تسوية الحقوق يزيد من معاناة المتضررين، ويضاعف من حجم النزاع، ويجعل الحاجة إلى تدخل المؤسسات المختصة أكثر إلحاحا.
إن قضية دار الضيافة بدار التونسي، وفق المعطيات التي قدمها المتضررون، تحتاج قبل كل شيء إلى الحقيقة. حقيقة الأموال، وحقيقة الشيكات، وحقيقة الأجور، وحقيقة واجبات الكراء، وحقيقة الشكايات والإجراءات القضائية، وحقيقة المسؤوليات.
والسؤال الأهم الذي ينتظر المتضررون جوابا عنه ليس فقط: من المسؤول؟ وإنما أيضا: أين وصلت حقوقهم، ومتى سيتم الحسم في وضعيتهم؟
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي مؤسسة سياحية أو تجارية أن تستمر بصورة طبيعية إذا كانت حقوق العمال والموردين وأصحاب العقود محل نزاع دائم. كما أن سمعة الاستثمار والسياحة لا تحمى بالصمت عن المشاكل، وإنما بالشفافية واحترام القانون وتسوية الالتزامات وحماية حقوق جميع الأطراف.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح تحقيق واضح وشفاف، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع، يظل السبيل الأمثل لتبديد الغموض وتحديد المسؤوليات ووضع حد للاتهامات المتبادلة. فالحقيقة، مهما كانت تفاصيلها، تبقى أفضل من استمرار الشائعات، والقانون وحده ينبغي أن يكون الفيصل في هذا الملف.