“الأوربيون الجدد”

0
الانتفاضة/ رشيد نيني
لعله أصبح اليوم واضحا للجميع أن أوسخ وأنذل وأحقر يمين عنصري متطرف هو ذلك الذي يوجد في إسبانيا. وعندما نرى ونسمع ونقرأ ما يتم تداوله حول المغرب والمغاربة في بلاطوهات البرامج التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعية نكاد نصاب بالغثيان. ومنذ اندلاع أحداث سبتة رأينا هجمة شرسة من طرف طيف واسع من الإعلام والنخبة الإسبانية ضد المغرب ومؤسساته السيادية، استعمل فيها الكذب والبهتان وأنصاف الحقائق التي يتم لي أعناقها لتوافق أهواء العنصريين من كل نوع.
والواقع لكي نفهم عقدة الإسبان تجاه المغرب والمغاربة علينا العودة القراءة الكاتب الكاطلاني الراحل خوان غويتيسولو، وخصوصا كتابه el bosque de las letras غابة الكتابة»، الذي فصل فيه الحديث حول فكرة الإسبان كأوروبيين جدد»، و«أثرياء جدد»، بحيث يشير إلى أن الاندماج المتأخر لإسبانيا في الكتلة الغربية، بعد عقود من الديكتاتورية الفرانكوية، جعل الإسبان يتنصلون من جوهر ثقافتهم وعرقهم لكي يرتموا في حضن الثقافة الغربية. وحسب غويتيسولو فإن هذا الاندماج اتسم بتبني ثقافة استهلاكية أدت إلى طمس الخصوصية الثقافية والتاريخية للبلاد، حيث انخرط الإسبان في نوع من النسيان الجماعي.
ویری غويتيسولو أن الإسبان، لكي يصبحوا أوروبيين جددا » تبنوا الرأسمالية الاستهلاكية دون أي تفكير نقدي، فسقطوا في التوحيد الثقافي القسري، مما أفقد المجتمع الإسباني أصالته بسبب محاكاة المعايير الاقتصادية والثقافية لبروكسيل.
لقد سعت إسبانيا الحديثة إلى تقديم نفسها كدولة غربية خالصة وهو ما يراه الكاتب كذبة تاريخية فجة، بحيث فعلت إسبانيا والكنيسة بشكل خاص كل ما بوسعها لإنكار الجذور الأندلسية واليهودية. ويرى غويتيسولو أن صيرورة إسبانيا «أوروبية» تمت عبر إنكار إرث الأندلس والتأثيرات الإسلامية واليهودية التي شكلت الهوية الإيبيرية. لقد بترت إسبانيا جزءا من ذاتها لتلائم المعايير الأوروبية الحديثة.
في عهد فرانكو، كان شعار «إسبانيا المختلفة» يبرر عزلة البلاد. أما بعد تحولهم إلى أوروبيين جدد، فقد سعى الإسبان بكل الطرق لإثبات أنهم لم يعودوا مختلفين، وأنهم أصبحوا يشبهون نظراءهم الأوروبيين. ولذلك انتقد خوان، الذي اختار العيش في مراكش إلى حين وفاته، هذا السعي وراء التقبل البرجوازي الأوروبي، والذي يخفى وراءه عجزا عن مواجهة الماضي الفرانكوي بشكل نقدي.
وباقتصار، ففكرة الأوروبيين الجدد عند غويتيسولو تلخص واقع مواطنين استبدلوا ذاكرتهم التاريخية وتمازجهم الثقافي بازدهار اقتصادي نمطي. ولذلك فالمغرب يذكرهم بالمستحيل الذي صنعوه لأجل نسيان هذا الماضي، يذكرهم بالإرث الأندلسي الثقافي والحضاري واللغوي والجيني. ولذلك يتصرفون مع المغرب بعنصرية وتعال ونظرة فوقية، بحجة أنهم أصبحوا ينتمون الأثرياء أوروبا الجدد، فيما المغرب بلد فقير ينتمي إلى إفريقيا الجائعة.
ويكفي أن نعرف أنه توجد في اللغة الإسبانية إلى اليوم حوالي 4000 كلمة عربية يتم استعمالها على أساس أنها إسبانية، ما يشكل نسبة 8 بالمائة من إجمالي معجم وقاموس اللغة الإسبانية.
وهناك كتب ومراجع تاريخية محفوظة في مكتبة الأسكوريال بمدريد تتحدث حول التاريخ الحقيقي لإسبانيا المسلمة لا يسمح لأحد بقراءتها طالما أنه لا يحمل تفويضا جامعيا أو كاتدرائيا خاصا.
لقد عملت الكتب المدرسية والمناهج طيلة سنوات طويلة على محو أي أثر للتاريخ الإسباني خلال القرون السبعة التي عاشت فيها إسبانيا تحت راية المسلمين منذ فتحها سنة 711 وحتى سقوط غرناطة سنة 1492 ، مرورا بالأمويين والموحدين والمرابطين وملوك الطوائف.
مما أحدث لدى أجيال متعاقبة من الإسبان حالة فقدان جماعي لجزء مهم وأساسي من ذاكرتهم الجماعية. وطيلة قرون وإلى اليوم ظل عقل الدولة الإسبانية يختصر المغرب والمغاربة في العدو الجنوبي الذي يجب الحذر منه وفعل أي شيء لإبقائه ضعيفا ومشتتا. وقبل أيام أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة إن سي ريبورت ونشرته صحيفة La Razon الإسبانية أن 77.3% من الإسبان يعتبرون المغرب بلدا عدوا»، وهذا الشعور العدائي نحو المغرب هو نتيجة لسنوات طويلة من الحشد والتجييش ضد المغرب عبر وسائل الإعلام الرسمية والخاصة والتي لم توفر في حق المغرب شتيمة عنصرية مقذعة إلا واستعملتها ..
إن السعي وراء ترك المغرب مشتت الأوصال ضعيف القوى هو ما يدفع إسبانيا إلى دعم وتشجيع الحركات الانفصالية في المغرب. ولكي نفهم خطورة جرثومة الانفصال علينا أن نستعيد مجددا سيرة غويتيسولو، ولعل ما يهم اليوم في سيرة خوان هو أنه كان ضد استقلال كطالونيا وكان ضد القوميات بكل أشكالها، وظل يكتب بالقشتالية ولم يستعمل أبدا اللغة الكطلانية، رغم أنه يجيدها.
وما يجهله كثيرون في المغرب هو أن خوان نشر سنة 1978 كتابا عنوانه «مشكلة الصحراء» دافع فيه عن حق المغرب في صحرائه ونشر سبعة مقالات في جريدة الباييس يرد فيها بشدة على اليسار الإسباني ويتهمه فيها بالحنين إلى الماضي الاستعماري لفرانكو ومن شدة حبه للمغرب اقترح خوان في الثمانينات من القرن الماضي إنشاء خلية مشتركة بين المغرب وإسبانيا للتفكير في قضية سبتة ومليلية في أفق إيجاد حل لوضعية المدينتين.
أديب عظيم من هذا الحجم، وبكل هذه المواقف الثابتة، وجد نفسه في آخر أيامه يعيش داخل غرفة متسخة، بعدما كتب أموال جائزة سربانتيس، والبالغة 250 ألف أورو، لأبناء عبد الهادي صديقه وطباخه الراحل عبد الحق، فيما تنازل لبنت زوجته السابقة مونيك لانج عن شقة بباريس.
خوان لم يكن فقط ضد الانفصال، بل كان أيضا ضد الديكتاتوريات من كل نوع، ولذلك رفض قبول جائزة معمر القذافي، كما رفض جوائز الخليج العربي، تلك التي يقبل عليها بنهم فيلسوف من حجم عبد الله العروي الذي قبل جائزة شخصية السنة من الخليج ولم يعلن عن تخصيص مبلغ الجائزة لأي هدف خيري، علما أنه مثل خوان بلا أبناء.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.