الانتفاضة/ أميمة السروت
يشهد الفضاء الحضري بمدينة الدار البيضاء تحولات متسارعة في مجال تعزيز الأمن العام، من خلال اعتماد تكنولوجيا المراقبة الذكية كخيار استراتيجي يواكب التحديات الأمنية والتنموية التي تعرفها العاصمة الاقتصادية للمملكة. فقد شرعت الجهات المختصة، خلال الفترة الأخيرة، في تثبيت شبكة واسعة من الكاميرات الرقمية عالية الدقة بمختلف الشوارع والمحاور الحيوية، في خطوة تروم الحد من الجريمة وتحسين جودة العيش داخل المدينة.
ويأتي هذا المشروع في سياق يتسم بتزايد الضغط الديمغرافي والحركية الاقتصادية، ما يفرض اعتماد وسائل حديثة لمواكبة التحولات الحضرية. وقد تم تركيز هذه الكاميرات بشكل خاص في النقاط التي تعرف كثافة مرورية وبشرية مرتفعة، إضافة إلى المناطق التي سجلت بها معدلات مرتفعة من جرائم النشل والسرقة، مثل أحياء “التشارك” و“مولاي رشيد” و“الحي المحمدي”. ويُنتظر أن تسهم هذه المنظومة في تمكين المصالح الأمنية من التدخل السريع، عبر توفير صور آنية تساعد في التعرف على المشتبه فيهم وتتبع تحركاتهم بدقة.
ولا يقتصر دور هذه الكاميرات على الجانب الأمني فقط، بل يمتد ليشمل تنظيم حركة السير والجولان، من خلال رصد المخالفات المرورية وتحليل تدفق حركة المركبات، ما يساهم في تقليص حوادث السير وتحسين انسيابية التنقل داخل المدينة. كما أن وجود هذه الأجهزة يشكل عامل ردع نفسي مهم، إذ يدرك المخالفون أنهم تحت المراقبة، مما يقلل من فرص ارتكاب الجرائم.
ويندرج هذا التوجه ضمن رؤية أوسع لتحويل الدار البيضاء إلى مدينة ذكية تعتمد على التكنولوجيا في تدبير شؤونها الحضرية بكفاءة، خاصة في ظل الاستعدادات الجارية لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، من بينها كأس العالم 2030. وتشكل البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها أنظمة المراقبة، ركيزة أساسية لضمان أمن الوفود والزوار وتعزيز صورة المدينة كوجهة عالمية آمنة.
ورغم الإيجابيات العديدة لهذا المشروع، يثير تعميم الكاميرات نقاشا متزايدا حول ضرورة حماية المعطيات الشخصية وضمان احترام خصوصية المواطنين. فالتوازن بين الأمن والحرية يظل تحديا أساسيا يتطلب إطارا قانونيا واضحا وآليات رقابة فعالة تضمن عدم استغلال هذه التقنيات بشكل يمس الحقوق الفردية.
في المحصلة، يعكس مشروع تعميم كاميرات المراقبة تحولا نوعيا في مقاربة تدبير الأمن الحضري، حيث لم تعد الوسائل التقليدية كافية لمواجهة التحديات الراهنة. وبين تعزيز الإحساس بالأمان واحترام الخصوصية، تبقى الحكامة الجيدة هي العامل الحاسم في تحقيق التوازن المنشود داخل مدينة تتطلع إلى مستقبل أكثر أمانا وذكاء.
التعليقات مغلقة.