الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في خضم التوتر الذي رافق الجدل حول نهائي كأس أمم إفريقيا، أثار تصرف رئيس السنغال موجة واسعة من النقاش، بعدما عمد إلى تغيير صورته الرسمية واضعا خلفه كأس البطولة التي كانت محل نزاع قبل أن تعود إلى مستحقيها، في إشارة فهمها كثيرون على أنها تحمل رسائل سياسية غير مباشرة. هذا السلوك، وإن بدا في ظاهره مجرد اختيار بصري، إلا أنه يطرح تساؤلات عميقة حول حدود الرمزية في العمل السياسي ومدى احترامها لمقتضيات المسؤولية الدبلوماسية.
إن منصب رئيس الدولة لا يقتصر على تدبير الشأن الداخلي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل تمثيل صورة الدولة في الخارج، بما تحمله من توازنات دقيقة في العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعبير رمزي صادر عن رأس السلطة التنفيذية يقرأ بدقة، ويخضع لتأويلات متعددة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة ذات بعد إقليمي، كما هو الحال بين المغرب والسنغال في هذا السياق.
ويرى متابعون أن توظيف رمزية الكأس في هذا التوقيت بالذات لا يخلو من دلالات، قد تفهم على أنها نوع من التحدي أو التشكيك في مخرجات الهيئات الكروية القارية. غير أن السياسة، في جوهرها، لا تدار بردود الأفعال أو الانفعالات، بل تقوم على الحكمة وضبط الخطاب، خاصة عندما يتعلق الأمر برموز تمس مشاعر شعوب أخرى أو تعكس مواقف قد تؤثر على العلاقات الثنائية.
فالدولة، كمؤسسة، تقوم على قواعد راسخة من الانضباط والاتزان، ولا يمكن اختزالها في رسائل بصرية قد تفسر بطرق متباينة. بل إن الحفاظ على هيبة المؤسسات يقتضي الابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الجدل أو تغذية التوتر، خصوصا في ظل عالم متشابك ترصد فيه كل الإشارات، مهما بدت بسيطة.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التمييز بين ما هو شخصي وما هو مؤسساتي، فالصورة الرسمية لرئيس دولة ليست مجرد تعبير فردي، بل هي تمثيل رمزي لكيان كامل، بكل ما يحمله من تاريخ وسيادة وعلاقات دولية. وبالتالي، فإن استدعاء رموز ذات حمولة خلافية في هذا السياق قد يعد تجاوزا غير محسوب للعُرف الدبلوماسي.
إن السياسة الرصينة تبنى على وضوح المواقف واحترام الرموز، لا على توظيفها في سياقات قد تُفهم على أنها استفزازية. وبين حرية التعبير ومقام الدولة، توجد حدود دقيقة يجب احترامها، حفاظا على التوازنات، وصونا لهيبة المؤسسات، وضمانا لاستمرار العلاقات بين الدول في إطار من الاحترام المتبادل والتقدير المتوازن.
التعليقات مغلقة.