الانتفاضة
وهل هي حقاً دموع ندم…؟ أم دموع فَقْدٍ لشيءٍ آخر كان يظنه حقاً مكتسباً؟
حين يغادر الكرسي… ينكشف الوجه
السياسة عند بعضهم تكليف، وعند كثيرين ـ للأسف ـ تصبح تشريفاً دائماً في نظرهم، لا مرحلة عابرة في خدمة الناس.
وحين تنتهي الولاية، لا يبكي السياسي لأنه أخطأ في حق الشعب، بل لأنه خسر الامتيازات التي اعتادها:
الموكب، الحراسة، الهاتف الذي لا يتوقف، الأبواب التي كانت تُفتح قبل أن يُطرقها، والوجوه التي كانت تبتسم له حتى وإن كانت لا تحبه.
هو لا يبكي على الوطن…
بل يبكي لأن الوطن لم يعد يركع لمنصبه.
دموع على السلطة… لا على التقصير
لو كانت دموعه دموع ندم، لرأيناها قبل نهاية الولاية لا بعدها.
لرأيناه يعترف بتقصيره، يعتذر، يصحح، يفتح ملفات الفشل قبل أن تُفتح عليه.
لكن الغالب أن البكاء يأتي حين:
تُسحب السيارة الرسمية
تُغلق المكاتب الفخمة
يختفي المصفقون
ويعود السياسي مواطناً عادياً… وهو الدور الذي لم يتدرب عليه يوماً
هنا يكتشف فجأة أن الناس لا ينادونه “سيادة”،
وأن الكرسي لم يكن امتداداً لذاته… بل كان مجرد عارية مؤقتة.
الكرسي الذي يربي الوهم
السلطة إن لم يصحبها وعي أخلاقي، تُنشئ وهماً خطيراً:
وهم أن المسؤول أصبح أكبر من المنصب،
وأهم من المؤسسة،
وأرفع من المساءلة.
فيعيش سنوات ولايته كأنه مالك للبلاد لا خادم لها.
وحين تنتهي المدة، يشعر وكأن شيئاً “سُرق” منه،
بينما الحقيقة أن ما ضاع لم يكن ملكه أصلاً.
إنه لا يبكي لأنه لم يُنصف الفقراء،
ولا لأنه أهمل الشباب،
ولا لأنه ترك ملفات التعليم والصحة تتآكل…
بل لأنه فقد مسرح الأضواء الذي كان يظنه قد كُتب باسمه.
الفرق بين رجل دولة ورجل منصب
رجل المنصب يحزن إذا غادر الكرسي.
رجل الدولة يحزن إن غادر الكرسي دون أثر.
الأول يرى النهاية خسارة شخصية.
الثاني يراها اختباراً لما زرع.
الأول يسأل: ماذا سأفعل بلا سلطة؟
الثاني يسأل: ماذا تركت للناس بعد السلطة؟
الأول يبكي لأن نفوذه انتهى.
الثاني يبتسم لأن رسالته تستمر حتى بعد رحيله.
السياسة عندنا… أزمة نية قبل أن تكون أزمة كفاءة
ليست مشكلتنا دائماً في قلة الكفاءات،
بل في تحول السياسة من خدمة إلى غنيمة.
حين يدخل المسؤول المنصب بعقلية الاغتنام،
يخرج منه بعقلية المفجوع.
أما من دخله بعقلية الخدمة،
فخروجه يشبه نهاية صلاة أداها كما ينبغي:
اطمئنان، لا بكاء.
دموع يجب أن تُبكى… لكن في وقت آخر
هناك دموع نريد أن نراها من السياسي، لكنها نادرة:
دموع حين يرى قرية بلا ماء
دموع حين يسمع شاباً يقول: “لا أمل هنا”
دموع حين تضيع فرصة إصلاح بسبب حسابات حزبية ضيقة
هذه الدموع لو نزلت في وقتها،
لربما وفّرت عليه دموع النهاية.
وهكذا، فليس كل بكاء ندمًا
حين تنقضي الولاية ويبكي السياسي،
فالأغلب أنها ليست دموع توبة…
بل دموع فقدان الامتياز، وضياع الهالة، وانطفاء الضوء.
الندم الحقيقي لا ينتظر نهاية المدة،
بل يظهر في منتصف الطريق،
ويُترجم إلى قرارات شجاعة،
وإصلاحات مؤلمة،
واعترافات صادقة.
أما الدموع التي تأتي بعد إغلاق المكتب الأخير…
فغالباً ما تكون على الكرسي
لا على الضمير.
التعليقات مغلقة.