قراءة نقدية في مشروع البحث الوطني الثالث حول الإعاقة بالمغرب 2026: بين دوامة الإحصاء المتكرر ورهان البطاقة المؤجل

0

الانتفاضة/ بقلم: حسن الفارسي (فاعل جمعوي في مجال الدفاع عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة)
تستعد وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة لإطلاق “البحث الوطني الثالث حول الإعاقة” خلال سنة 2026، بكلفة مالية تقدر بـ7.8 ملايين درهم. وفي الوقت الذي يُقدّم فيه هذا الورش دولياً ومحلياً كخطوة علمية لتحديث البيانات، فإننا من موقعنا داخل الميدان والنسيج الجمعوي، نرى في هذا التوجه مناسبة لطرح تساؤلات نقدية حارقة حول جدوى الاستمرار في “إحصاء المعاناة” بينما تظل الحلول التشريعية والميدانية معطلة في رفوف الانتظار.
تحاول هذه الورقة تقديم قراءة نقدية وتحليلية صرفة، تنطلق من واقع حال الشخص في وضعية إعاقة، لتسائل مبررات هذا الصرف المالي والزمني، وتفكك ثنائية “البحث الإحصائي الجديد” مقابل “البطاقة الخاصة المعطلة”، في إطار نقاش موضوعي يبتغي الفعالية لا غير.
1. متاهة الإحصاء المتكرر: لماذا نهدر الوقت والمال وفي جعبتنا إحصاء 2024؟
السؤال الأول الذي يصدمنا كفاعلين جمعويين هو: ما الحاجه الفعلية لإحصاء جديد وهناك إحصاء وطني عام للسكان والسكنى أُنجز حديثاً سنة 2024؟
كان حرياً بالوزارة الوصية، في إطار ترشيد النفقات والحكامة الإدارية، أن تنسق بشكل مباشر مع المندوبية السامية للتخطيط لتزويدها بكافة المعطيات والبيانات التفصيلية المستخلصة من إحصاء 2024. إن اللجوء إلى إطلاق صفقة دولية جديدة، والاضطرار لتكوين 200 مؤطر وباحث، والدخول في مرحلة “البحث التجريبي” واختبار الآليات، يستهلك وقتاً زمنيّاً ثميناً وجهداً لوجستياً، نحن في أمسّ الحاجة إليه لتسريع إخراج الخدمات المباشرة.
منظورنا الجمعوي يرى أن استنزاف 7.8 ملايين درهم في دراسة ميدانية تشمل 20 ألف أسرة فقط (وهي عينة محدودة مقارنة بالواقع)، هو صنيع يكرر نفسه؛ فقد أُنجز البحث الأول سنة 2004، والثاني سنة 2014، والآن الثالث في 2026، والنتيجة المجتمعية واحدة: تتغير الأرقام والنسب على الأوراق، وتظل معاناة الشخص المعاق ثابتة في الواقع الميداني.
2. إشكالية غياب بطاقة الشخص المعاق: هل هو التفاف على الحقوق؟
إن الجرح النازف في منظومة الحماية الاجتماعية لهذه الفئة هو  تأخر خروج “البطاقة الخاصة بالإعاقة” إلى حيز الوجود.
رغم صدور الترسانة القانونية، وعلى رأسها *المرسوم رقم 2.22.1075*، ورغم الوعود الحكومية المتكررة في السنتين الماضيتين، لا يزال الشخص في وضعية إعاقة يواجه غياب هذه الآلية الرسمية التي تفتح له باب الحقوق والامتيازات (كالتعويضات، التغطية الصحية الصارمة، النقل المجاني، وتيسير الولوجيات).
رؤية نقدية من الميدان:* إن تخصيص ميزانيات كبرى للبحوث والدراسات في هذا التوقيت بالذات، يثير تخوفاً مشروعاً لدى الحركة الجمعوية من أن يكون هذا البحث مجرد “وسيلة لربح الوقت” وهروباً إلى الأمام من الكلفة المالية الحقيقية التي يتطلبها تفعيل البطاقة. فبدل توجيه هذا الدعم المالي واللوجستي لبناء المنصة الرقمية للبطاقة والشروع في تسليمها للمواطنين، يتم تحويل البوصلة نحو “دراسة العوائق والظروف المعيشية” التي أصبحت معلومة لدى الصغير والكبير ولا تحتاج لجان تفقدية لإثباتها.
3. هندسة الصفقات وتكوين المؤطرين: أولويات مقلوبة
يتحدث دفتر التحملات عن صفقة دولية وتنافس شركات وتطوير تطبيقات رقمية عبر اللوحات الإلكترونية وتخصيص 13 أسبوعاً للإنجاز والتنقية والتحليل. هذه “الهندسة الإدارية” تعكس فجوة واضحة في ترتيب الأولويات:
الأولوية الميدانية: المواطن المعاق اليوم في القرية والمدينة لا يهمه من سيفوز بالصفقة، ولا تهمه “اللوحات الإلكترونية الاحتياطية” للشحن الميداني، بقدر ما يهمه توفير كرسي متحرك، أو مقعد دراسي دامج، أو فرصة شغل تحفظ كرامته، أو تبسيط للمساطر الطبية المعقدة.
هدر الموارد المتاحة:إن توظيف أطر وخبراء في الإحصاء بـ 7.8 ملايين درهم يعد، من وجهة نظر سوسيولوجية ونقدية، مفارقة عجيبة؛ حيث يُصرف المال على “توصيف الفقر والعجز” بدل صرفه على “مقاومة الفقر والعجز”. إن هذا المبلغ كان يمكن أن يشكل نواة صندوق مالي لدعم الخدمات الطبية شبه الطبية المستعجلة للأسر المعوزة التي تعيل أشخاصاً ذوي إعاقة عميقة.
خلاصة واستنتاج: كفى من التشخيص.. حان وقت التنزيل
بناءً على هذا التحليل الصرف، يتضح أن مشروع البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لسنة 2026، وإن كان يرتدي عباءة “العلمية والتخطيط الممنهج”، إلا أنه يسقط في فخ *”تكرار الإجراءات ومضيعة الوقت والجهد والمال”*.
إن الحركة الجمعوية والمجتمع المدني بالمغرب يرفضان بوضوح سياسة “التشخيص المستمر لبدن عليل معروف الداء والدواء”. إن إحصاء 2024 يملك المؤشرات الرقمية الكافية، والنصوص القانونية (القانون الإطار 97.13) حددت الحقوق والالتزامات. بناء عليه، فإن المطلوب اليوم من وزارة التضامن ليس إطلاق صفقات لدراسة واقع الإعاقة، بل إطلاق أوراش لتنفيذ هذا الواقع عبر الإخراج الفوري والمباشر لـ *بطاقة الشخص في وضعية إعاقة*، لإنهاء حقبة الانتظار الطويلة والانتقال الفعلي من منطق “الدراسات والاستعطاف الإحصائي” إلى منطق “الواجب وإحقاق الحقوق المشروعة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.