الانتفاضة/ أكرام
أثار تقرير مؤسسة كوفي عنان حول مؤشر الهشاشة الانتخابية 2026-2027 اهتماما واسعا بالنقاشات المرتبطة بمستوى المخاطر السياسية في عدد من الدول التي تستعد لتنظيم استحقاقات انتخابية خلال الفترة المقبلة، ومن بينها المغرب الذي حل في المرتبة 25 عالميا وفق المعطيات المنشورة، محققا 48.1 نقطة في المؤشر العام لمخاطر العنف المرتبط بالانتخابات. ويقدم التقرير، بحسب الجهة المعدة له، قراءة استشرافية لاحتمالات التوتر أو العنف خلال العمليات الانتخابية، اعتمادا على نماذج إحصائية مركبة تجمع بين بيانات تاريخية وسياقات اجتماعية واقتصادية ورقمية، مع محاولة رصد العوامل التي قد تؤثر في الاستقرار أثناء الفترات الانتخابية.
ويشير التقرير إلى أن المغرب يوجد ضمن الشريحة المتوسطة العليا من الدول التي شملها التقييم، والتي يبلغ عددها ستين دولة مرشحة لتنظيم انتخابات خلال الأشهر الثمانية عشر المقبلة. وقد جاء ترتيب المغرب مباشرة خلف تونس التي سجلت 48.7 نقطة، فيما تقدم على قيرغيزستان التي حصلت على 47.4 نقطة. هذا التقارب في النقاط بين عدد من الدول يعكس، وفق المنهجية المعتمدة، وجود مستويات متقاربة من الهشاشة السياسية المحتملة، حتى وإن اختلفت السياقات الداخلية لكل بلد.
وفي قراءة أعمق لمكونات المؤشر، يظهر أن المغرب سجل نسبة مرتفعة في “احتمال وقوع العنف” بلغت 91.2%، وهو رقم يضعه في المرتبة 20 عالميا ضمن هذا المؤشر الفرعي. كما سجل نسبة 5.1% في “احتمال العنف الشديد”، ما جعله في المرتبة 24 عالميا، وهي نسبة تعتبر منخفضة مقارنة بالدول الأعلى خطورة في التصنيف، لكنها تظل، وفق التقرير، مؤشرا على وجود مخاطر محدودة لكنها غير معدومة. أما في مؤشر “العنف المتوسط” فقد سجل المغرب 86.1%، وهو ما وضعه في المرتبة 12 عالميا، وهي أعلى مرتبة فرعية حققها ضمن المؤشرات الثلاثة، ما يشير إلى أن أغلب المخاطر المحتملة، حسب النموذج، تتمثل في أشكال من التوتر أو الاحتكاك أو الاضطرابات غير القصوى.
ويبرز التقرير أن الدول التي تصدرت المؤشر العالمي شملت غينيا الاستوائية وطاجيكستان ونيكاراغوا وبوروندي وروسيا، وهي دول يرى التقرير أنها تتقاطع في مجموعة من العوامل مثل هشاشة المؤسسات السياسية، أو التاريخ المرتبط بالنزاعات، أو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، أو ضعف الثقة في المسارات الانتخابية. أما وجود المغرب في المرتبة 25 فيعكس، وفق القراءة الرقمية للنموذج، موقعا وسطا ضمن مجموعة الدول التي لا تنتمي إلى أعلى درجات المخاطر، لكنها أيضا ليست ضمن الفئات الأدنى من حيث الاستقرار الانتخابي.
ومع ذلك، يشدد معدو التقرير على أن هذه المؤشرات لا ينبغي فهمها باعتبارها توقعات حتمية لوقوع العنف، بل أدوات تحليل احتمالي تعتمد على البيانات والأنماط السابقة. فالنماذج الإحصائية، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة في قدرتها على استيعاب التحولات السياسية السريعة أو القرارات المفاجئة أو التطورات الميدانية التي قد تغير مسار الأحداث بشكل جذري. ولذلك، يدعو التقرير إلى قراءة هذه النتائج في سياقها الواسع وربطها بالمعطيات المحلية لكل بلد على حدة، بما في ذلك طبيعة المشهد السياسي، ومستوى التنافس الانتخابي، ودور المؤسسات، وحجم المشاركة السياسية.
ويعتمد المؤشر على مجموعة واسعة من مصادر البيانات، من بينها مشاريع دولية معنية بالديمقراطية، وقواعد بيانات تابعة للأمم المتحدة والبنك الدولي، إضافة إلى برامج مختصة برصد النزاعات والإنذار المبكر. ويتم دمج هذه المعطيات في نموذج مركب يهدف إلى إنتاج تقدير كمي لمستوى الهشاشة الانتخابية، مع الأخذ في الاعتبار عوامل متعددة مثل التاريخ السياسي للدول، ومؤشرات التنمية، ومستويات التفاوت الاجتماعي، إضافة إلى تأثير الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت، بحسب التقرير، أحد العوامل المؤثرة في تصعيد أو تهدئة التوترات خلال الفترات الانتخابية.
وفي الحالة المغربية، يعكس الترتيب العام ضمن المؤشر مزيجا من الإشارات المتباينة. فمن جهة، يظهر أن احتمال العنف الشديد منخفض نسبيا مقارنة بدول أخرى، ما قد يشير إلى وجود آليات مؤسساتية قادرة على احتواء السيناريوهات الأكثر خطورة. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع نسبة احتمال العنف المتوسط يوحي بأن التحديات المحتملة قد تتخذ أشكالا أقل حدة لكنها أكثر انتشارا، مثل الاحتجاجات المحدودة أو التوترات المحلية أو النزاعات السياسية ذات الطابع السلمي أو شبه السلمي.
ويؤكد التقرير أن مثل هذه النتائج يجب ألا تقرأ بمعزل عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية، إذ إن العوامل المعيشية، ومستوى الثقة في المؤسسات، ومدى المشاركة السياسية، كلها عناصر تلعب دورا محوريا في تشكيل المناخ الانتخابي. كما أن الديناميات الرقمية أصبحت جزءا أساسيا من هذا المشهد، حيث يمكن للمعلومات المضللة أو الحملات الإلكترونية أو التفاعل عبر المنصات الاجتماعية أن تؤثر بشكل مباشر في مستوى التوتر أو الاستقطاب السياسي.
وفي سياق المقارنة الدولية، يبرز أن بعض الدول التي تفوقت على المغرب في المؤشر تواجه تاريخيا مستويات أعلى من الاضطرابات أو النزاعات السياسية، ما يعكس اختلاف طبيعة المخاطر من بلد إلى آخر. فبعض الحالات ترتبط بنزاعات مسلحة أو ضعف شديد في مؤسسات الدولة، بينما ترتبط حالات أخرى بتوترات سياسية داخل أنظمة ديمقراطية أو شبه ديمقراطية. هذا التنوع يجعل من المؤشر أداة تحليلية أكثر منه تصنيفا بسيطا للاستقرار أو عدمه.
كما يلفت التقرير إلى أن المغرب، رغم موقعه في منتصف الشريحة العليا من المخاطر، لا يظهر ضمن الدول ذات الاحتمالات القصوى للعنف الشديد، وهو ما يضعه في منطقة وسطية تتطلب، بحسب القراءة التحليلية، متابعة التطورات السياسية والاجتماعية دون افتراض سيناريوهات متطرفة. فالمؤشرات الرقمية، رغم أهميتها، لا تعكس دائماً تفاصيل الواقع السياسي اليومي أو قدرة المؤسسات على التكيف مع التحديات.
وفي النهاية، يقدم التقرير صورة مركبة للمشهد الانتخابي العالمي خلال الفترة 2026-2027، حيث تتداخل عوامل متعددة لتشكيل مستويات متفاوتة من الهشاشة. ويظهر المغرب ضمن هذا السياق كحالة متوسطة من حيث المخاطر، تجمع بين مؤشرات تدعو إلى الانتباه وأخرى تعكس قدرا من الاستقرار النسبي مقارنة بدول أعلى في التصنيف. غير أن القيمة الأساسية لهذا النوع من المؤشرات، كما يشير معدوه، تكمن في كونه أداة استباقية تساعد على فهم الاتجاهات العامة، وليس حكما نهائيا على مسار الأحداث، إذ يبقى الواقع السياسي مفتوحا على احتمالات متعددة تتجاوز حدود النماذج الرياضية والإحصائية.