الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
تؤكد جهة مراكش-آسفي من جديد مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية على الصعيدين الوطني والدولي، من خلال أداء قوي ومؤشرات نمو متواصلة تعكس دينامية القطاع السياحي وقدرته على التعافي والتطور بعد السنوات الماضية التي شهد فيها العالم تحديات متعددة أثرت على حركة السفر والسياحة. ويأتي هذا الأداء الإيجابي ليعزز صورة الجهة كقطب سياحي رائد، يجمع بين تنوع العرض السياحي وجودة البنيات التحتية وتنامي الطلب الدولي على خدماته.
فقد أظهرت المؤشرات السياحية خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026 أرقاماً لافتة تؤكد استمرار منحى النمو الإيجابي الذي بدأ منذ سنة 2022، حيث بلغ عدد الوافدين إلى مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة حوالي 1.656.526 زائرا، وهو ما يمثل ارتفاعا بنسبة 7 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2025. ويعكس هذا الارتفاع قدرة الوجهة على استقطاب مزيد من السياح من مختلف الأسواق التقليدية والواعدة، إلى جانب تحسن ملحوظ في مستوى الربط الجوي والترويج السياحي.
كما سجل عدد ليالي المبيت بدوره أداء قويا، حيث بلغ 4.711.381 ليلة مبيت، مسجلا ارتفاعا بنسبة 10 في المائة على أساس سنوي، وهو مؤشر يعكس ليس فقط تزايد عدد الزوار، بل أيضا ارتفاع مدة الإقامة، ما يدل على جاذبية العرض السياحي وتنوعه بين السياحة الثقافية والترفيهية والرياضية وسياحة الأعمال. ويؤكد هذا التطور أن مراكش-آسفي لم تعد مجرد وجهة عبور، بل أصبحت وجهة إقامة واختيار مفضل لدى عدد متزايد من السياح الدوليين.
وفي السياق ذاته، استقرت نسبة الملء الفندقي عند حوالي 70 في المائة، وهو مستوى يعكس متانة الطلب السياحي وقدرة القطاع الفندقي على الحفاظ على وتيرة نشاط مستقرة رغم التحديات المرتبطة بالمنافسة الدولية وتغير أنماط الاستهلاك السياحي. كما يعكس هذا المؤشر فعالية الجهود المبذولة من طرف الفاعلين في القطاع من مهنيين ومستثمرين ومؤسسات عمومية في تعزيز جاذبية العرض السياحي وتحسين جودة الخدمات.
أما على مستوى النقل الجوي، فقد سجل مطار مراكش المنارة بدوره نموا ملحوظا في حركة المسافرين، حيث بلغ عدد الوافدين عبره 3.802.520 مسافرا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، بزيادة قدرها 11 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. ويؤكد هذا الرقم الدور الحيوي الذي يلعبه المطار كبوابة رئيسية للجهة، وكحلقة وصل استراتيجية تربط مراكش-آسفي بمختلف العواصم والمدن العالمية، مما يعزز موقعها على خريطة السياحة الدولية.
وقد شكل اجتماع مكتب المجلس الجهوي للسياحة مراكش-آسفي، المنعقد يوم الأربعاء 3 يونيو 2026 بفندق بالم بلازا، محطة مهمة لتقييم هذه المؤشرات ومناقشة أبرز الملفات الاستراتيجية المرتبطة بتطوير القطاع. وخلال هذا الاجتماع، تمت الإشادة بالنتائج الإيجابية المحققة، مع التأكيد على ضرورة مواصلة العمل من أجل تعزيز هذه الدينامية وتحويلها إلى نمو مستدام طويل الأمد، يضمن استمرارية الأداء الجيد للوجهة السياحية.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية تسريع تنزيل المشاريع المهيكلة المدرجة ضمن خارطة طريق السياحة، باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز تنافسية الجهة على المستوى الدولي. كما تم التطرق إلى ضرورة تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في القطاع، سواء على المستوى المؤسساتي أو المهني، بهدف رفع جودة الخدمات السياحية وتطوير العرض بما يتماشى مع التحولات التي يعرفها الطلب العالمي.
ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام خاص خلال الاجتماع، مسألة إدماج القطاع غير المهيكل، الذي لا يزال يشكل جزءا من النسيج السياحي في الجهة، حيث تم التأكيد على ضرورة إيجاد آليات عملية لتنظيمه ودمجه ضمن المنظومة الرسمية، بما يضمن تكافؤ الفرص، ويحسن من جودة الخدمات، ويعزز موارد الجهة بشكل منظم ومستدام. كما تمت الإشارة إلى أهمية تطوير منصات تشاركية بين القطاعين العام والخاص، بهدف تعزيز الحكامة وتحسين تدبير القطاع السياحي بشكل أكثر فعالية.
كما تم تقديم مذكرة خاصة بمشروع قصر المعارض إلى أعضاء المكتب، باعتباره مشروعا استراتيجيا يهدف إلى تعزيز تموقع مراكش كقطب جهوي ودولي لسياحة الأعمال والمعارض والمؤتمرات (MICE). وقد تم التأكيد على أن هذا المشروع من شأنه أن يشكل قيمة مضافة حقيقية للعرض السياحي للجهة، من خلال استقطاب تظاهرات كبرى على مدار السنة، مما سيساهم في تنويع مصادر الدخل السياحي وتقليص موسمية القطاع.
وفي هذا السياق، قدم المهنيون عددا من التوصيات التي ركزت على ضرورة تطوير تظاهرات دورية ذات بعد دولي قوي، قادرة على استقطاب الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين من مختلف أنحاء العالم، بما يعزز من إشعاع مراكش-آسفي كوجهة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والأعمال. كما تم التأكيد على أهمية الاستثمار في التسويق الترابي وتعزيز الحضور الرقمي للوجهة، باعتبارهما عنصرين أساسيين في المنافسة السياحية العالمية.
وتبرز هذه المؤشرات مجتمعة أن جهة مراكش-آسفي تسير في اتجاه تعزيز مكانتها كواحدة من أهم الوجهات السياحية في المنطقة، مستفيدة من تنوع مؤهلاتها الطبيعية والثقافية والبشرية، ومن الاستثمارات المتواصلة في البنيات التحتية والخدمات السياحية. كما تعكس هذه النتائج نجاح السياسات المعتمدة في القطاع، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بتقلبات السوق الدولية وضرورة تحسين الاستدامة البيئية والاجتماعية للنشاط السياحي.
وفي ظل هذا السياق الإيجابي، يظل الرهان الأساسي هو الحفاظ على هذا الزخم وتعزيزه من خلال رؤية استراتيجية واضحة تقوم على الابتكار، والاستدامة، وتثمين الموارد المحلية، وتعزيز التكامل بين مختلف مكونات العرض السياحي. كما أن استمرار التنسيق بين مختلف المتدخلين يظل عاملا حاسما لضمان استدامة هذا النمو وترجمته إلى تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية تعود بالنفع على الساكنة المحلية وتدعم مكانة الجهة على المستوى الدولي.