المحكمة الإدارية بمراكش تنهي عضوية أربعة منتخبين بجماعة تسلطانت

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

أصدرت المحكمة الإدارية بمراكش حكما يقضي بعزل أربعة أعضاء من مجلس جماعة تسلطانت التابعة لعمالة مراكش، من بينهم الرئيسة السابقة للمجلس، مع ترتيب الآثار القانونية المترتبة عن هذا القرار، وشموله بالنفاذ المعجل، في خطوة تعكس تشدد القضاء الإداري في مراقبة مدى احترام القوانين المنظمة لتدبير الشأن المحلي، وتعزيز مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الجماعات الترابية.

ويأتي هذا الحكم في سياق سلسلة من القضايا التي عرضت على أنظار القضاء الإداري بخصوص تدبير بعض المجالس الجماعية، حيث تتزايد أهمية الدور الرقابي للمحاكم الإدارية في ضمان احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لعمل المنتخبين المحليين، خصوصاً في ظل ما يطرحه تسيير الشأن العام المحلي من تحديات مرتبطة بالشفافية، وتضارب المصالح، وحسن تدبير المال العام، والالتزام بالضوابط القانونية المنظمة لاختصاصات الأعضاء المنتخبين.

وقد قضت المحكمة، باسم جلالة الملك وطبقا للقانون، بقبول الطلبات الرامية إلى عزل كل من زينب شالا، وحسن لغشيم، ومصطفى آيت بلام، ولبنى محب الله من عضوية مجلس جماعة تسلطانت، مع ما يترتب عن ذلك من فقدان الصفة التمثيلية داخل المجلس، وبالتالي انتهاء مهامهم التمثيلية وما يرتبط بها من مسؤوليات وصلاحيات. ويعني هذا القرار عمليا إعادة تشكيل جزئية لهياكل المجلس الجماعي، وما قد يرافق ذلك من تأثير على توازنات التسيير واتخاذ القرار داخل المؤسسة المنتخبة.

وفي ما يتعلق بملف مصطفى آيت بلام، فقد اتخذت المحكمة قرارا إضافيا بقبول المقال الأصلي وعدم قبول مقال التدخل الإرادي في الدعوى، قبل أن تقضي بعزله من عضوية المجلس الجماعي، وهو ما يعكس دقة المساطر القانونية المعتمدة في مثل هذه القضايا، حيث يتم فحص الطلبات والشكايات والدفوعات المرتبطة بها وفق قواعد قانونية دقيقة تضمن حقوق الأطراف، وتراعي مبدأ المواجهة بين الحجج، قبل الوصول إلى إصدار الحكم النهائي.

في المقابل، رفضت المحكمة الطلبات الرامية إلى عزل كل من يوسف المسكيني ونعيمة السهلي ومحمد المنسوم، وهو ما يعني احتفاظهم بعضويتهم داخل مجلس جماعة تسلطانت، بعد أن تبين للمحكمة عدم توفر الشروط القانونية الكافية للعزل في حقهم، وفق ما استندت إليه من معطيات ودفوعات خلال أطوار النظر في الملف. ويبرز هذا التمييز بين الحالات المختلفة أن القضاء لا يتعامل مع القضايا بمنطق واحد، بل يوازن بين الوقائع والأدلة ومدى ثبوت المخالفات المنسوبة لكل منتخب على حدة.

وتعد هذه الأحكام جزءا من الإطار القانوني الذي ينظم مراقبة عمل المنتخبين المحليين، حيث يتيح القانون إمكانية عزل أعضاء المجالس الجماعية في حالات محددة، من بينها الإخلال بالواجبات القانونية أو الإدارية، أو ارتكاب مخالفات جسيمة تتعلق بتدبير الشأن العام، أو الإخلال بقواعد التسيير التي تضمن السير العادي للمرفق العمومي المحلي. كما أن هذه المساطر تعالج أمام القضاء الإداري باعتباره الجهة المختصة في البت في المنازعات المرتبطة بالقرارات الإدارية وبحالات العزل المرتبطة بالانتدابات التمثيلية.

ويكتسي قرار العزل أهمية خاصة لأنه لا يتعلق فقط بشخص المنتخب، بل يمس بنية المؤسسة المنتخبة نفسها، حيث يؤدي إلى إعادة توزيع المقاعد داخل المجلس، وقد يفتح الباب أمام تعويض الأعضاء المعزولين وفق القوانين الانتخابية الجاري بها العمل. كما أن مثل هذه القرارات قد تؤثر على مسار المشاريع المحلية، وعلى وتيرة اتخاذ القرار داخل الجماعة، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بعدد مهم من الأعضاء أو بمناصب قيادية داخل المجلس.

ومن جهة أخرى، يعكس هذا الحكم الدور المتنامي للقضاء الإداري في تعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لم يعد تدبير الشأن المحلي مقتصرا على الجانب السياسي أو الانتخابي فقط، بل أصبح خاضعا أيضا لرقابة قانونية صارمة تضمن احترام القواعد المنظمة للعمل الجماعي. وهذا التطور يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويؤكد أن أي إخلال جسيم بالقوانين يمكن أن يترتب عنه فقدان العضوية وتحمل المسؤولية القانونية كاملة.

كما يسلط هذا الملف الضوء على التحديات التي تواجه الجماعات الترابية في ما يتعلق بتدبير مواردها البشرية والسياسية، حيث تتطلب المرحلة الحالية مستوى عاليا من الالتزام بالقانون، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات شخصية أو سياسية ضيقة. فنجاح المجالس الجماعية في أداء مهامها يرتبط بشكل وثيق بمدى احترام أعضائها للقوانين التنظيمية، وقدرتهم على العمل الجماعي في إطار من الانسجام والتعاون المؤسساتي.

وتجدر الإشارة إلى أن تنفيذ مثل هذه الأحكام بشكل معجل يعكس رغبة المشرّع في ضمان فعالية القرارات القضائية وعدم تعطيلها، خاصة عندما يتعلق الأمر بوضعيات تمس مباشرة سير المؤسسات المنتخبة. فالتنفيذ المعجل يهدف إلى ترتيب الآثار القانونية فور صدور الحكم، دون انتظار استكمال جميع درجات الطعن، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

وفي انتظار ما قد تسفر عنه باقي المساطر والإجراءات القانونية المرتبطة بهذه الملفات، يبقى هذا الحكم محطة مهمة في مسار تفعيل الرقابة القضائية على عمل الجماعات المحلية، ورسالة واضحة مفادها أن تدبير الشأن العام يخضع لمبدأ المساءلة، وأن أي تجاوز للقانون يمكن أن يؤدي إلى نتائج قانونية مباشرة قد تصل إلى حد العزل من المسؤولية الانتخابية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.