الانتفاضة
يتابع فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بطاطا باهتمام بالغ وانشغال عميق تطورات الاعتصام الذي يخوضه عدد من شباب وساكنة مركز أقا بإقليم طاطا منذ أسابيع طويلة، في سياق احتجاجي يعكس حجم الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه المنطقة، ويترجم في الآن ذاته استمرار مطالب الساكنة بتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وإنصاف المناطق التي تعاني من التهميش وضعف البنيات التحتية وغياب فرص الشغل والتنمية.
إن استمرار هذا الشكل الاحتجاجي السلمي لأكثر من خمسة وأربعين يوما، مع ما يرافقه من انضباط ميداني وإصرار على التعبير الحضاري عن المطالب، يعكس درجة عالية من الوعي لدى المحتجين بأهمية النضال السلمي كوسيلة للترافع من أجل الحقوق المشروعة. كما يعكس في الوقت ذاته حجم المعاناة اليومية التي تدفع شباب المنطقة إلى خوض هذه الأشكال الاحتجاجية، في ظل غياب حلول عملية وملموسة من شأنها الاستجابة لتطلعاتهم في الشغل والعيش الكريم وتحسين ظروف الحياة.
وإذ يسجل فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بطاطا هذا الوضع، فإنه يؤكد على أن الحق في الاحتجاج السلمي والتعبير والتنظيم حقوق أساسية مكفولة بموجب الدستور المغربي وبموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها المملكة، والتي تشكل مرجعا أساسيا في بناء دولة الحق والقانون. كما يشدد على أن التعامل مع مثل هذه الأوضاع يجب أن يتم في إطار المقاربة التشاركية والحوار المسؤول، بعيدا عن أي مقاربة قد تؤدي إلى تأزيم الوضع أو تعميق الاحتقان الاجتماعي.
إن المطالب التي يرفعها المعتصمون بمركز أقا لا يمكن اختزالها في مطالب فئوية أو ظرفية، بل هي مطالب ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية مشروعة، تتمحور أساسا حول الحق في الشغل، والكرامة، والتنمية المحلية، والعدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى فتح آفاق حقيقية أمام شباب المنطقة، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بالأراضي والجماعات السلالية. وهي مطالب تدخل في صميم الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي، وتعتبر من الشروط الضرورية لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة.
وفي هذا السياق، يبرز أن استمرار الوضع الحالي دون حلول عملية قد يؤدي إلى تعميق الإحساس بالتهميش، ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، وهو ما يستوجب تدخل مختلف الفاعلين المؤسساتيين من أجل فتح قنوات حوار جدي ومسؤول مع المحتجين، بما يضمن الاستماع إلى مطالبهم، والتفاعل معها بشكل إيجابي، وإيجاد حلول واقعية قابلة للتنفيذ. فالتجارب المماثلة أثبتت أن الحوار هو السبيل الأنجع لمعالجة الأزمات الاجتماعية، وأن المقاربات الأمنية أو التأجيل المستمر لا تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد.
كما يؤكد الفرع على أهمية إعمال مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المشاريع والبرامج التنموية بالإقليم، باعتبار أن جزءا كبيرا من الإشكاليات المطروحة يرتبط بضعف الحكامة المحلية، وبطء تنفيذ البرامج التنموية، وغياب العدالة في توزيع المشاريع العمومية. وهو ما يفرض مراجعة شاملة لطرق تدبير الشأن المحلي، بما يضمن إشراك الساكنة في اتخاذ القرار، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.
ومن جهة أخرى، فإن الوضع الاجتماعي بمركز أقا وبمختلف مناطق إقليم طاطا يعكس الحاجة الملحة إلى وضع برامج استعجالية للتشغيل، ودعم المبادرات الاقتصادية المحلية، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، باعتباره أحد الحلول الممكنة لامتصاص البطالة في صفوف الشباب. كما يتطلب الأمر تأهيل الخدمات العمومية الأساسية، وخاصة في مجالي الصحة والتعليم، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي تنمية بشرية حقيقية.
وفي ما يتعلق بإشكالية الأراضي والجماعات السلالية، فإنها تشكل أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة عادلة ومنصفة، بما يضمن تمكين ذوي الحقوق من الاستفادة من أراضيهم بشكل يحفظ كرامتهم ويخدم التنمية المحلية، مع ضرورة اعتماد حلول قانونية واضحة وعادلة، تستجيب لتطلعات الساكنة وتضمن حماية الحقوق التاريخية المرتبطة بالأرض والماء. كما أن هذه الإشكالية تستدعي فتح نقاش وطني حول سبل تطوير الإطار القانوني المنظم لهذه الأراضي بما ينسجم مع متطلبات العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
إن استمرار الاحتجاجات بمركز أقا يعكس في عمقه أزمة تنموية تتجاوز البعد المحلي، لتطرح إشكالات أوسع مرتبطة بنموذج التنمية المعتمد في المناطق الهامشية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في السياسات العمومية الموجهة لهذه المناطق، واعتماد مقاربة مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المجالية والاجتماعية، وتضع الإنسان في قلب العملية التنموية.
ويؤكد فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بطاطا أن معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي بالإقليم تقتضي اعتماد مقاربة حقوقية وتنموية شاملة، تقوم على الإنصات للمواطنات والمواطنين، واحترام حقوقهم الأساسية، والاستجابة لمطالبهم المشروعة في إطار من الجدية والمسؤولية. كما يشدد على أن ضمان الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمجالية يشكلان الأساس لأي استقرار اجتماعي حقيقي، وأي تنمية مستدامة.
وفي هذا الإطار، يدعو الفرع السلطات المحلية والإقليمية والجهات الحكومية المعنية إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة في فتح حوار جاد ومسؤول مع المحتجين، والعمل على إيجاد حلول عملية وملموسة تستجيب لمطالبهم، وتضع حدا لحالة الاحتقان القائمة، بما يضمن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويعيد الاعتبار لروح المواطنة الحقة القائمة على الحقوق والواجبات.
كما يدعو مختلف القوى الديمقراطية والحقوقية والنقابية والجمعوية إلى مواصلة متابعة هذا الملف، والترافع من أجل الحقوق المشروعة لساكنة المنطقة، والمساهمة في خلق دينامية مجتمعية قادرة على الدفع نحو حلول عادلة ومنصفة. فالقضايا الاجتماعية لا يمكن أن تحل بمعزل عن انخراط جميع الفاعلين، وبناء توافقات حقيقية حول أولويات التنمية.
إن ما تشهده منطقة أقا اليوم ليس مجرد حدث عابر، بل هو تعبير عن حاجة ملحة إلى إصلاحات عميقة تعيد الاعتبار للعدالة المجالية، وتضمن توزيعا منصفا للثروة والخدمات، وتفتح آفاقا حقيقية أمام الشباب. وهو ما يجعل من هذا الملف اختبارا حقيقيا لمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعات المواطنين، وترجمة مبادئ الدستور إلى واقع ملموس يعيشه الجميع على قدم المساواة.