جدل عقاري حول أراضي تسلطانت بين رخص البناء والضريبة على الأراضي غير المبنية

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة

عاد ملف أراضي تسلطانت، الواقعة بضواحي مدينة مراكش، إلى واجهة النقاش العمومي خلال الآونة الأخيرة، بعدما أثيرت تساؤلات متعددة حول المسار الإداري والقانوني الذي رافق استغلال وعاء عقاري يمتد على مساحة تناهز 66 هكتارا، في ظل تداخل معطيات تتعلق بتصميم التهيئة ورخص البناء وطلبات التقسيم والضريبة على الأراضي غير المبنية. ويعد هذا الملف من بين القضايا العقارية التي استقطبت اهتمام المتابعين للشأن العمراني، بالنظر إلى ما يطرحه من إشكالات مرتبطة بتدبير المجال الترابي، وعلاقة المستثمرين بالإدارة، ومدى وضوح المساطر القانونية المعمول بها في مجال التعمير والبناء.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن العقار المعني كان خاضعا لمقتضيات تصميم التهيئة لسنة 2017، وهي الوثيقة المرجعية التي تحدد طبيعة الاستعمالات العمرانية للأراضي وتوجهات التنمية داخل المجال الترابي المعني. ويعتبر تصميم التهيئة من أهم أدوات التخطيط العمراني، إذ يحدد المناطق القابلة للبناء والتجهيزات العمومية والمساحات الخضراء وشبكات الطرق والمرافق الأساسية، كما يشكل مرجعا رئيسيا للإدارات المكلفة بدراسة ملفات التعمير والاستثمار العقاري. غير أن الملف أثار العديد من علامات الاستفهام بشأن مدى انسجام مختلف القرارات التي اتخذت خلال السنوات الماضية مع التوجهات التي رسمتها هذه الوثيقة، خاصة في ظل الحديث عن رفض بعض الطلبات المرتبطة بالتقسيم أو التهيئة قبل أن تشهد المنطقة لاحقا تطورات عمرانية جديدة.

ومن بين المعطيات التي زادت من حدة الجدل، وجود وثائق تشير إلى منح تراخيص للبناء وانطلاق أشغال بالموقع خلال سنة 2023، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين مؤشرا على تحول في الوضعية القانونية أو التقنية للعقار مقارنة بالمراحل السابقة. فالحصول على رخصة البناء لا يتم إلا بعد استيفاء مجموعة من الشروط القانونية والتقنية، وبعد دراسة الملفات من طرف الجهات المختصة والتأكد من مطابقتها لوثائق التعمير المعمول بها. لذلك يرى عدد من المهتمين أن من حق الرأي العام معرفة مختلف المراحل التي مر منها الملف، والوقوف على طبيعة التحولات التي جعلت المشروع ينتقل من مرحلة التعثر أو التأجيل إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.

كما يطرح موضوع رفض بعض طلبات التقسيم قبل سنة 2021 تساؤلات إضافية حول المعايير التي اعتمدت في معالجة الملف خلال تلك الفترة. فقرارات الرفض أو القبول في المجال العمراني تخضع عادة لمجموعة من الاعتبارات القانونية والتقنية، من بينها مطابقة المشاريع لوثائق التعمير، ومدى توفر البنيات التحتية الأساسية، واحترام الضوابط التنظيمية المتعلقة بالتجهيزات والطرق والمساحات العمومية. غير أن غياب معطيات رسمية مفصلة حول خلفيات تلك القرارات فتح الباب أمام العديد من التأويلات والتساؤلات، خاصة مع ظهور معطيات لاحقة تفيد بمنح تراخيص للبناء وانطلاق الأشغال.

وفي خضم هذا الجدل، برز موضوع الضريبة على الأراضي غير المبنية، المعروفة اختصارا بـ”TNB”، كأحد المحاور الأساسية للنقاش. وتفرض هذه الضريبة على الأراضي الواقعة داخل المناطق الحضرية أو القابلة للتعمير والتي لم يتم استغلالها أو بناؤها، وذلك بهدف تشجيع الاستثمار والحد من ظاهرة الاحتفاظ بالعقارات لأغراض المضاربة. غير أن الإشكال الذي يثيره بعض الملاك والمستثمرين يتعلق بوضعية الأراضي التي حصلت على تراخيص أو دخلت مراحل متقدمة من الدراسة أو بدأت بها الأشغال، ومدى استمرار خضوعها لهذه الضريبة خلال مختلف مراحل تنفيذ المشاريع.

ويعتبر عدد من الفاعلين في القطاع العقاري أن وضوح النصوص القانونية وتوحيد طرق تطبيقها يشكلان عنصرين أساسيين لضمان المساواة بين المستثمرين وتحقيق الأمن القانوني للعاملين في القطاع. كما يرون أن أي غموض في هذا الجانب قد يؤثر على جاذبية الاستثمار العقاري ويخلق حالة من عدم اليقين لدى أصحاب المشاريع، خاصة في ظل أهمية العقار باعتباره رافعة اقتصادية وتنموية تساهم في خلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية.

وتسلط هذه القضية الضوء على أهمية الحكامة الجيدة في تدبير الملفات العقارية والعمرانية، خاصة تلك التي ترتبط بمشاريع كبرى أو بمساحات واسعة ذات قيمة استثمارية مرتفعة. فمع تزايد الطلب على العقار وتوسع المدن والمراكز الحضرية، أصبحت الحاجة ملحة إلى تعزيز الشفافية وتسهيل الولوج إلى المعلومة المتعلقة بملفات التعمير والاستثمار، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف ويعزز الثقة في المؤسسات المكلفة بتدبير المجال الترابي.

ويرى مختصون في قضايا التعمير أن التواصل المؤسساتي الفعال بات ضرورة ملحة في مثل هذه الملفات، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفسح المجال أمام انتشار التأويلات والشائعات التي قد تؤثر على صورة المؤسسات وعلى مناخ الاستثمار. كما أن نشر المعطيات المرتبطة بالقرارات الإدارية وتوضيح الأسس القانونية التي بنيت عليها من شأنه أن يساهم في تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي المقابل، يشدد عدد من المتابعين على ضرورة التعامل مع هذا النوع من الملفات بعيدا عن الأحكام المسبقة، والاعتماد على الوقائع والوثائق الرسمية والمعطيات المؤكدة. فالقضايا العقارية غالبا ما تكون معقدة وتتداخل فيها اعتبارات قانونية وتقنية وإدارية متعددة، الأمر الذي يستوجب مقاربة متأنية تضع الحقائق في سياقها الصحيح وتجنب إصدار استنتاجات متسرعة.

ويبقى ملف أراضي تسلطانت نموذجا للنقاش الدائر حول تدبير العقار والتعمير بالمغرب، في ظل تزايد المطالب بتعزيز الشفافية وتحسين الحكامة وضمان وضوح المساطر الإدارية المرتبطة بالاستثمار العمراني. كما يعكس أهمية إيجاد توازن بين تشجيع الاستثمار وتحقيق التنمية الحضرية من جهة، واحترام القوانين وحماية الحقوق وضمان تكافؤ الفرص من جهة أخرى. وفي انتظار صدور توضيحات رسمية أو معطيات إضافية من الجهات المعنية، سيظل هذا الملف محط اهتمام الرأي العام والفاعلين في القطاع العقاري، باعتباره يثير أسئلة جوهرية حول كيفية تدبير المجال العمراني ومستقبل الاستثمار والتنمية الترابية بالمملكة.

التعليقات مغلقة.