الانتفاضة @@@ خالد حوستي
مع كل موجة برد، يعود إلى الواجهة نقاش حطب التدفئة، ليس فقط من زاوية الضغط المتزايد على الغطاء الغابوي، ولا من زاوية مسؤولية الدولة في توفير بدائل مستدامة، ولكن أيضًا من زاوية أخلاقية خطيرة باتت تتكرر مع كل أزمة: استغلال حاجة المواطن لرفع الأثمان بلا حسيب ولا رقيب.
في مجتمع يدّعي التمسك بقيم التضامن و«تمغرابيت»، يظهر نوع من السلوك لا يمت لتلك القيم بصلة. سلوك يقوم على الافتراس الاقتصادي، حيث تتحول حاجة الناس إلى فرصة للربح السريع، ويصبح البرد، والجوع، والضيق، مجرد أدوات للمضاربة. هذا السلوك لا علاقة له لا بالدين الذي يحرّم أكل أموال الناس بالباطل، ولا بالقيم الإنسانية التي تجعل من الأزمات لحظات للتكافل لا للنهب.
السؤال الجوهري الذي يطرحه المواطن البسيط واضح وبديهي:
لماذا يتم رفع ثمن سلعة تم اقتناؤها أصلًا بالسعر القديم؟
لماذا لا يتم البيع بالسعر المعتاد إلى أن تنفد الكمية، بدل تحويل الحاجة إلى عملية “سلخ” ممنهج للقدرة الشرائية؟
ما يقع في سوق حطب التدفئة ليس استثناءً، بل نموذجًا مصغرًا لما يحدث في عدة قطاعات، وعلى رأسها المواد الغذائية. فبمجرد ارتفاع الطلب، ترتفع الأثمان بشكل آلي، دون أي مبرر اقتصادي حقيقي، ودون ارتباط بكلفة الإنتاج أو التوزيع. إنها عقلية السوق المنفلت، حيث يختفي الضمير، ويُختزل الإنسان في رقم داخل معادلة الربح.
صحيح أن الدولة اختارت نهج تحرير الأسعار، لكن تحرير الأسعار لا يعني إطلاق يد الجشع، ولا تحويل السوق إلى غابة. فالدولة، حين ترفع يدها عن التسعير، لا ترفع مسؤوليتها عن حماية الأمن الاجتماعي. القدرة الشرائية للمواطن ليست مسألة ثانوية، بل ركيزة من ركائز الاستقرار.
إن تفعيل لجان المراقبة لم يعد خيارًا، بل ضرورة. والضرب على أيدي المضاربين لم يعد إجراءً شعبويًا، بل واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا. لأن التساهل مع استغلال الأزمات هو تشجيع غير مباشر عليه، وهو رسالة خاطئة لمن يربحون من معاناة الآخرين.
في النهاية، الأزمات لا تخلق الانتهازيين، بل تكشفهم.
وفي لحظات الشدة، يُمتحن المجتمع في قيمه، ويظهر الفرق بين من يعتبر نفسه جزءًا من هذا الوطن، ومن لا يرى فيه سوى سوق مفتوحة بلا ضمير.
تمغرابيت ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة،
بل سلوك يُمارس، خصوصًا حين يشتد البرد، وتضيق الأحوال.
التعليقات مغلقة.