الانتفاضة / محمد خلاد / محامي بهيئة مراكش
قد يبدو من خلال القراءة الأولية للمادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد، أنها مجرد نص إجرائي يحدد البيانات الواجب تضمينها في المقال الافتتاحي للدعوى. غير أن القراءة المتأنية تكشف أنها تتجاوز تنظيم شكل المقال إلى إعادة بناء مرحلة كاملة من مراحل التقاضي، بما يترتب على ذلك من تحول في وظيفة المحامي.
فالمقارنة بين المادة المشار إليها أعلاه والفصل 32 من قانون المسطرة المدنية الحالي لا يجب أن تقف عند حدود ما أضيف من بيانات أو ما استحدث من جزاءات، لأن ذلك لا يمثل سوى الوجه الظاهر للنص. أما وجهه الأعمق، فيتمثل في انتقال المشرع من تصور كانت فيه الدعوى تبدأ بالمقال الافتتاحي، إلى تصور جديد يفترض أن تكون الدعوى قد اكتمل إعدادها قبل أن يصل المقال إلى المحكمة.
في ظل الفصل 32، كان المقال الافتتاحي يمثل نقطة الانطلاق، وكان من الممكن استكمال كثير من عناصر الملف أثناء سريان الدعوى، سواء من خلال الإدلاء بالمستندات، أو تعزيز وسائل الإثبات، أو استيفاء بعض البيانات. وكان هذا الأسلوب ينسجم مع تصور يرى أن المحكمة فضاء لتكوين الملف بقدر ما هي فضاء للفصل فيه.
أما المادة 77، فقد اختارت تصور مختلف، فهي تلزم المدعي بإرفاق المستندات التي يرغب في الاستناد إليها منذ تقديم المقال، وتنظم كيفية تسليمها وإثبات عددها ونوعها، وتلزمه باستكمال البيانات الجوهرية تحت طائلة عدم القبول بعد الإنذار.
وبذلك، لم يعد المقال مجرد إعلان عن وجود نزاع، وإنما أصبح التعبير الأخير عن عمل تحضيري يفترض أنه استوفى شروطه قبل ولوجه إلى منصة المحكمة.
وهنا تتجلى أهم آثار المادة 77 على مهنة المحاماة.
لقد أصبح عبء الإعداد ينتقل، بصورة أوضح من السابق، من المحكمة إلى مكتب المحامي. فلم يعد من المقبول، عمليا، أن تُرفع الدعوى ثم يبدأ البحث عن الوثائق، أو ترتيب وسائل الإثبات، أو استكمال عناصر الملف أثناء سير الخصومة، إلا في الحدود التي يجيزها القانون وما قد يستجد أثناء النزاع. وأصبح الإعداد المسبق للدعوى جزءا أصيلا من العمل المهني للمحامي، لا مجرد مرحلة اختيارية أو مؤجلة.
إن المحامي، في ظل هذا التصور، لم يعد يحرر مقالا افتتاحيا فحسب، بل أصبح مطالبا ببناء ملف الدعوى قبل كتابة أول سطر فيه. فجمع الوثائق، وتمحيص الوقائع، وترتيب الحجج، وتقدير وسائل الإثبات، وصياغة الطلبات، لم تعد أعمالا موازية للدعوى، وإنما أصبحت جزءا من تكوينها القانوني.
ومن ثم، فإن المرافعة لم تعد تبدأ داخل قاعة الجلسات، وإنما تبدأ منذ اللقاء الأول مع الموكل. ففي تلك اللحظة تتحدد معالم النزاع، وتُختبر سلامة الوقائع، وتُقدَّر قوة الأدلة، ويُتخذ القرار برفع الدعوى أو تأجيلها، أو حتى العدول عنها متى تبين ضعف أساسها أو وهن حجتها.
لذلك، فإن المادة 77 لا تفرض على المحامي التزامات إجرائية جديدة فحسب، بل تدفعه إلى تبني ثقافة مهنية جديدة، قوامها الإعداد القبلي، والتخطيط القانوني، والتعامل مع الدعوى باعتبارها مشروعا متكاملا قبل أن تصبح ملفا قضائيا.
ولا شك أن لهذا التوجه مزايا واضحة، فهو يسهم في تنظيم الخصومات، ويحد من طلبات التأخير الناتجة عن استكمال الوثائق، ويساعد المحكمة على مباشرة نظر الدعوى في ظروف أكثر وضوحا وانضباطا. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بمرونة التطبيق القضائي، حتى لا تتحول متطلبات الإعداد إلى قيود شكلية تثقل كاهل المتقاضين وتحول دون تمكينهم من حقهم في الولوج إلى العدالة.
إن الفرق الحقيقي بين الفصل 32 والمادة 77 لا يكمن في عدد البيانات المطلوبة، ولا في ترتيب الجزاءات المرتبطة بها، وإنما في التحول الذي أصاب التصور العام للتقاضي، فالفصل 32 كان ينظم كيفية افتتاح الدعوى، بينما تنظم مقتضيات المادة 77 كيفية إعدادها قبل افتتاحها.
وهذا التحول، في تقديري، يمثل أحد أهم المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة المدنية الجديد، لأنه لا يعيد صياغة المقال الافتتاحي فحسب، بل يعيد تشكيل وظيفة المحامي، ويجعل جودة الإعداد المسبق للدعوى جزءا من جودة العدا.
