الانتفاضة
الصحافة الأمريكية الجادة والمستقلة عن دواليب السلطة، تؤكد على أن اختيار ابستين دون غيره للمهام القذرة، كان لأنه رجل أعمال، قادر على جمع أكبر عدد من السياسيين والقادة والشخصيات النافذة في مجال المال والأعمال، خارج الأعمال والشركات والمؤسسات في جزيرته الماجنة.
تواجد صور لإبستين مع مثقفين جادين، هذا لأنه قام بما يسمى لسنوات طويلة بتبييض الأموال والسمعة في اتجاه الأعمال الخيرية ودعم المبادرات الاجتماعية والمدنية والأكادمية.
فضيحة ابستين وأصدقاؤه، على الرغم من فظاعتها، لا تُلزم المجتمع الغربي كاملا، فترامب المتهم الآن باغتصاب قاصر ذات 15 سنة، عند ولايته السابقة، سحب قانون الحق في الإجهاض من عدد من الولايات في أمريكا، ليس لأنه متدين، بل لأنه وحش انتخابي، ولأن الولايات التي سُحب منها هذا القانون، يتواجد بها عدد ليس بهين من المحافظين المتدينين المسحيين المنتمين للحزب الجمهوري الذي يقوده اليوم.
ترامب وإبستين وغيرهم ممن كشفت أسماؤهم في ملف جيفري، لا يمثلون حتى أحزابهم ولا مجتمعاتهم، ولا كيف يعيش الغرب المخنوق بالليبرالية السَّامة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، بل هو حدث أو جرم ثقيل فردي لأشخاص، لا يحتكمون لشيء غير المصالح والمال الوسخ، جمعهم ابستين في جزيرته البعيدة من أجل ارتكاب الفظاعات الدموية حتى لا يراها أحد أو يشهد عليها إنسان، لكن الفظاعة الأكبر كما كشفت الصحافة الدولية، هي استعمال جزيرة ابستين من أجل السيطرة على السياسات العامة الإقليمة والدولية عن طريق الابتزاز.
الأسماء التي أخرجتها وزارة العدل الأميركية للعلن، المرتبطة بجرائم ايبستين، ليست من الغرب فقط، إنها أسماء لشخصيات نافذة في دول عربية، تحكم بلدانها بتجريم عدد من القوانين، بل هي بلدان تحتجز عددا لا بأس به من المعارضين، وتعيش تحت غطاء شعار الدين الإسلامي، و قد أنتجت مجتمعات غير قادرة على الثورة على سياساتها الهجينة والتبعية.
في الغرب هناك مجتمع أيضا حي، وقف وقفة صادقة مع القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ضد الاحتلال المباشر، وبيئته الحاضنة التي هي ترامب وجماعة ابستين، وجموع الدول العربية المنبطحة للإبادة وقرارات التصفية الجماعية، والتي يواجهها الغرب الآن بشجاعة منقطعة النظير.
ولكي نكون جدا في جد، وبذاكرة موضوعية وعادلة، لقد ارتكبت في بلداننا فظاعات من فصيلة جرائم ابستين وأكثر، وقد قام إعلام الغرب ومجتمعه المدني الجاد بفضحها بشجاعة، لأن إعلامنا غير قادر على مواجهة الآلة المتحكمة في حرية التعبير بشكل شبه نهائي، وأن أولئك الذين حاولوا كسر هذا الصمت، يعيشون تحت وطأة الظلم والحصار.
إبستين وجرائمه ومن شاركوه فيها من مجتمعه ومجتمعاتنا، هؤلاء أشخاص بلا ضمير، لا ينحازون إلا إلى المصالح، لكن من غير المقبول، أن نساهم في سجال تعميم الاتهامات، بغرض تقريع المجتمعات الغربية، كأن كل بيت في الغرب هو جزيرة مصغرة لإبستين، أو متواطئ معه في ذلك، لأنه بهذا سنقول أتوماتيكيا، أن كل سلفي قد يرتكب ما ارتكبه الفيزازي في حق حنان، وأن أي سعودي أو إماراتي، سيمتهن شرف بناتنا المغربيات والسوريات غيرهن، وأن أي أفغاني إرهابي، وأن أي قسٍّ وإمام مغتصب، وأن أي مثقف، لديه ميولات جنسية شاذة، وأن كل يساري ملحد.
صحيح للغرب أعطابه، وأن حضارته تشكلت على الاختلاف، الاختلاف حتى مع الكنيسة والرهبان، وأن من أنتجوا الفكر، قلة منهم من كانت على تماس مع المسيحية، ونحن بحاجة لمن تكون له الأهلية العلمية من الغرب ومنا لنقاش أعطابنا القيمية بدون و بمعزل عن “حدث استثناء” دافِعٍ بالضرورة لهذا الأمر، أو جريمة سيتطور بها القانون، ولن تطورنا.
التعليقات مغلقة.