الانتفاضة/ محمد جرو
عاد ملف المعتقل الصحراوي النعمة أصفاري، المحكوم على خلفية قضية أحداث “أكديم إزيك”، إلى واجهة النقاش من جديد، بعد تصاعد الجدل بشأن وضعه الصحي إثر إضرابه المفتوح عن الطعام، الذي بدأه منذ الثامن من يونيو 2026، وما رافق ذلك من تبادل للبيانات بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج وعائلة المعتقل، في ظل استمرار اهتمام المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بهذه القضية التي تثير منذ سنوات نقاشا حقوقيا وسياسيا وقانونيا واسعا.
وكانت جريدة “الانتفاضة” قد تابعت في وقت سابق تطورات هذا الملف، بعدما دخل النعمة أصفاري، المنحدر من مدينة طانطان والمعتقل بالسجن المركزي بالقنيطرة منذ إدانته في ملف تفكيك مخيم “أكديم إزيك” سنة 2010، في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجا على ما يعتبره حرمانا من عدد من حقوقه الأساسية. وقد أعقب ذلك تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بالرباط من طرف عائلات عدد من المعتقلين الصحراويين، للمطالبة بالتدخل وضمان احترام حقوقهم وتحسين أوضاعهم داخل المؤسسات السجنية.
وفي خضم تزايد التدوينات والبيانات التي تناولت الوضع الصحي للمعتقل، أصدرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، يوم الخميس 23 يوليوز 2026، بلاغا توضيحيا نفت فيه ما وصفته بـ”الادعاءات والمغالطات” التي يتم تداولها بشأن حالته الصحية، معتبرة أن تلك المعطيات تروج لها جهات وصفتها بـ”المعادية للوحدة الترابية للمملكة”، مشيرة إلى أن بعض الأطراف الخارجية تستغل الملف لأغراض سياسية، في إشارة إلى ما قالت إنه توظيف من قبل جهات أجنبية، خاصة وأن زوجة المعتقل تحمل الجنسية الفرنسية.
وأكدت المندوبية في بلاغها أن النعمة أصفاري خضع، منذ إعلانه الإضراب عن الطعام، للبروتوكول الطبي المعتمد للتعامل مع السجناء المضربين عن الطعام، حيث كان طبيب المؤسسة السجنية يتابع مؤشراته الحيوية بشكل منتظم إلى غاية 13 يوليوز 2026، قبل أن يرفض المعني بالأمر مواصلة الخضوع للفحوصات الدورية. وأوضحت المؤسسة أن المعتقل استمر، رغم الإضراب، في تناول بعض المقويات من بينها فيتامينات B1 وB6 وB12، كما ظل يستفيد من الرعاية الطبية داخل المؤسسة وخارجها كلما استدعت حالته ذلك.
وأضافت المندوبية أن أصفاري نقل بتاريخ 15 يوليوز إلى مستشفى خارج المؤسسة السجنية، حيث أظهرت التحاليل الطبية معاناته من انخفاض في نسبة البوتاسيوم، ليتم إخضاعه للعلاج بواسطة المحاليل الطبية والأدوية المناسبة. كما أشارت إلى أنه رفض، بتاريخ 21 يوليوز، الانتقال إلى المستشفى من أجل التتبع الطبي، قبل أن يوافق في اليوم الموالي على الخروج بشكل عادي، حيث خضع لفحوصات جديدة شملت تخطيط القلب والأشعة على الصدر وتحاليل مخبرية، أكدت استمرار نقص البوتاسيوم، ليتم تقديم العلاج اللازم له، قبل أن يقرر الطبيب المعالج إرجاعه إلى المؤسسة السجنية بعد تسجيل استقرار مؤشراته الحيوية.
وشددت المندوبية على أن الإضراب عن الطعام يبقى قرارا شخصيا يتحمل السجين مسؤولية نتائجه، مؤكدة أن إدارة المؤسسة السجنية تواصل محاولاتها لإقناعه بالعدول عنه حفاظا على سلامته الصحية، دون أن يكون لها أي سند قانوني يخول لها منعه من الاستمرار فيه. كما أوضحت أن المعتقل تمت زيارته من طرف نائب الوكيل العام للملك، إضافة إلى ممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في إطار تتبع وضعه الصحي والقانوني.

وفي ما يتعلق بحرمانه من استعمال الهاتف الثابت بالمؤسسة السجنية، أوضحت المندوبية أن القرار جاء بعد استغلاله الاتصالات الهاتفية مع زوجته، وفق ما ورد في البلاغ، لنقل معطيات اعتبرتها المؤسسة غير صحيحة واستعمالها من قبل جهات معادية للمغرب، مؤكدة في المقابل أن المعني بالأمر يتمتع بكافة الحقوق التي يكفلها له القانون المنظم للمؤسسات السجنية، وأن مطالبه، بحسب تعبيرها، لا تستند إلى أساس قانوني.
غير أن هذه التوضيحات لم تقنع عائلة النعمة أصفاري، التي سارعت إلى إصدار بيان صحفي في اليوم نفسه، عبرت فيه عن رفضها لما ورد في بلاغ المندوبية، معتبرة أنه لا يعكس حقيقة وضعه الصحي والحقوقي، ولا يجيب عن الانشغالات التي تثيرها الأسرة وهيئة الدفاع بشأن ظروف اعتقاله وإضرابه عن الطعام.
وأكدت العائلة أن النعمة أصفاري يواصل إضرابه المفتوح عن الطعام منذ الثامن من يونيو 2026، احتجاجا على ما تعتبره حرمانا من حقوقه الأساسية، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي أيضا للمطالبة بتنفيذ القرارات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، اللذين سبق لهما إصدار آراء وتوصيات بشأن قضيته.
وأوضحت الأسرة أن حرمانه من استعمال الهاتف منذ 13 يوليوز يمثل، حسب تعبيرها، استمرارا لعزله عن أسرته ومحاميه، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن سلسلة من الإجراءات الانتقامية التي تقول إنها تستهدفه منذ سنوات، كما أشارت إلى استمرار منع زوجته كلود مونجان أصفاري من زيارته منذ يناير 2019، معتبرة أن الإجراءات نفسها طالت عددا من معتقلي مجموعة “أكديم إزيك” الموجودين بكل من سجني القنيطرة وتيفلت.
وانتقد البيان أيضا نقل المعتقل إلى المستشفى خارج المؤسسة السجنية دون إشعار أسرته أو هيئة دفاعه، معتبرا أن ذلك يتعارض مع حق العائلة في الاطلاع على حالته الصحية، كما استنكرت الأسرة استمرار ما وصفته بحجب المعلومات المتعلقة بتطور وضعه الصحي، مجددة مطالبتها بتمكينها من التواصل معه والاطلاع على ملفه الطبي.
وجددت عائلة النعمة أصفاري دعوتها السلطات المغربية إلى التنفيذ الفوري للقرارات الصادرة عن آليات الأمم المتحدة ذات الصلة، والاستجابة لما تعتبره مطالب مشروعة، مع وقف ما تصفه بالإجراءات الانتقامية. كما أعلنت تضامنها مع باقي المعتقلين الصحراويين المحكومين في ملف “أكديم إزيك”، ومن بينهم محمد لمين هدي، وحسن الداه، وأحمد السباعي، ومحمد باني، داعية إلى احترام حقوقهم وضمان سلامتهم.
وفي ختام بيانها، حملت العائلة السلطات المغربية المسؤولية الكاملة عن سلامة النعمة أصفاري، وناشدت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التدخل العاجل لضمان حمايته، وتمكين أسرته ومحاميه من الاطلاع على وضعه الصحي، والعمل على تنفيذ القرارات الأممية المتعلقة بقضيته وقضايا باقي معتقلي مجموعة “أكديم إزيك”.
ويأتي هذا التطور في وقت كانت فيه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قد أعربت، قبل أيام، عن قلقها إزاء استمرار الإضراب عن الطعام الذي يخوضه النعمة أصفاري منذ أكثر من أربعين يوما، معتبرة أن وضعه الصحي يستدعي المتابعة والاهتمام، ومطالبة بضمان حقوقه الأساسية وفق ما تنص عليه المواثيق الوطنية والدولية ذات الصلة.
ويظل ملف النعمة أصفاري واحدا من أكثر الملفات إثارة للنقاش منذ أحداث “أكديم إزيك” التي شهدتها مدينة العيون سنة 2010، وأسفرت عن مواجهات دامية قتل خلالها 11 عنصرا من قوات الأمن أثناء عملية تفكيك المخيم الاحتجاجي، قبل أن تصدر أحكام قضائية في حق عدد من المتابعين، من بينهم أصفاري الذي أدين بالسجن ثلاثين سنة بتهم شملت تكوين عصابة إجرامية والمشاركة في القتل العمد، وهي الأحكام التي تؤكد السلطات المغربية أنها صدرت عن القضاء وفق المساطر القانونية، في حين تواصل عائلات المعتقلين وعدد من الهيئات الحقوقية المطالبة بإعادة النظر في أوضاعهم وتنفيذ ما تعتبره التزامات مترتبة عن قرارات وآراء صادرة عن هيئات أممية، وهو ما يجعل هذا الملف مستمرا في إثارة الجدل الحقوقي والسياسي على المستويين الوطني والدولي.