الانتفاضة / البداوي إدريسي
في لحظة تأمل هادئة، غادرت صخب الحياة اليومية و قصدت شاطئ البحر، حيث يمتد الأفق الأزرق اللانهائي.
و جلست على إحدى الصخور التي تتلاطمها الأمواج، أتأمل هذا العالم الغامض .
و في غمرة تفكيري، تساءلت في نفسي : هل البحر حقا كاتم للأسرار و مستودع للهموم، أم أنه كبعض البشر، يبوح بما يؤتمن عليه و تلوح أسرار العيان ؟ وقفت أمام المياه الممتدة و بصوت خافت، طرحت سؤالي على الأمواج المتلاطمة :” أيها البحر، هل أنت كاتم للأسرار أم كالبواح من البشر ؟ ” .
لم أنتظر طويلا حتى جاءني الرد، فقد أرسل البحر موجة عالية و غاضبة ارتطمت بقوة على الصخور أمامي .
و كأنه أراد أن يخبرني بلغته الخاصة أن أسرار البشر ثقيلة لا تقوى الأعماق على كتمانها وحدها، و أن غضبه ما هو إلا انعكاس لما يحمله من هموم أودعها فيه اليائسون و الباكون .
لقد أدركت حينها أن البحر يحتفظ بما يلقى فيه، لكنه يعكسه في هيئة أمواج هادرة تخبر من يتأملها بحجم الأسرار التي يحملها بين طياته، فهو يستمع بصمت لكنه يغضب و يتحرك حين تفيض أسرار البشر عن طاقته .
و هكذا، تعلمت من درس البحر الغاضب أن الكتمان المطلق قد يكون عبئا ثقيلا حتى على الطبيعة الصامتة .
و رغم أن البحر يبدو ككتلة من الصمت و الجمال، إلا أنه يفيض بمشاعر متناقضة تشبه في تقلباتها تقلبات النفس البشرية .
فخرجت من تجربتي هذه بأن أصدق الأماكن لحفظ الأسرار هو القلب النقي، بينما يبقى البحر ملاذا و مستمعا رائعا، لكنه يعكس لنا دائما صدى ما نودعه فيه .
خلوة تأمل و مصارحة مع أمواج البحر.
القادم بوست