سعيد حجي يكتب: “لسنا بحاجة إلى “حركات” حزبية تتزين بالنجوم الحمراء.. بل إلى وعي جماعي يعيد تعريف معنى الفعل السياسي

الانتفاضة // سعيد حجي

في خضم معمعان الشارع وغليانه، حين تتعالى الأصوات لا طلبا لترف أو ترفيه، بل صراخا خاما يقطر من بين حناجر أنهكها الانتظار، ينزف الوطن من أطرافه، وتبدأ الوجوه السياسية القديمة بإخراج أوراقها المكرورة، وكأن شيئا لم يحدث عملا بقاعدة “مصائب قوم عند قوم فوائده” …
هنا، في هذا الظرف المعقد، لا تبدو السياسة فعلا أخلاقيا، بل مجرد مسرحية خفيفة الإخراج، يُعاد عرضها كلما احتدمت الأزمة، لتصبح بعض الأحزاب السياسية، لا سندا في الأزمات، بل طفيليات تعيش على جراح المجتمعات…
من وسط ركام الغضب، تخرج حركة جديدة تحت عباءة حزب قديم، بدعوى استرجاع الحزب من “القيادة”، قيادة هي نفسها كانت جزءا من مشهد التعفن السياسي الممتد، وكأن من مارس السلطة بالأمس يمكنه اليوم تقديم نفسه في هيئة “المنقذ”، فقط لأنه غيّر نبرته أو غلّف خطابه بلغة شبابية تحاكي طموح الجيل الجديد. فهل أصبح الشعب ذاكرة مثقوبة؟ أم أن السياسي بات يراهن على نسياننا أكثر من وعيِنا؟
يبدو أن بعض الأحزاب، وعلى رأسها من كان يردد شعارات العدالة الاجتماعية قبل أن يتنكر لها داخل مكاتب الحكم، لم تتعلم شيئا من فشلها. ذلك أن الخلل لم يكن في الشعارات، بل في البنية العميقة التي اختزلت السياسة في الوجاهة والكسب، وحوّلت الفعل السياسي من مسؤولية إلى امتياز.

وكما كان نيتشه يرى في الأخلاق المزيفة وسيلة للقوي كي يتحايل على الضعيف، فإن الخطاب الحزبي هنا هو تحايل ناعم، محاولة لإعادة تدوير النفوذ من خلال “حركات” موسمية، تطفو كلما علا منسوب الغضب الشعبي…
إن محاولة الركوب على موجة الغضب الشبابي ليست فعلا سياسيا، بل انحرافا أخلاقيا عن جوهر المسؤولية. إذ السياسة في عمقها ليست تفاعلا متأخرا مع الألم، بل استباق له، والاحزاب الحية لا تأتي حين تشتعل النيران لتلتقط رمادها، بل تعمل على ألا تندلع أساسا. لكن من تعوّد على إدارة “التنظيم” لا على استيعاب “التحولات”، لن يفهم أن الشرعية لم تعد تُمنح من الصناديق فقط، بل من الوجدان الجمعي الذي بات اليوم يرفض العبارات المعلبة من قبيل “إعادة البناء” و”تجديد الدماء”…
حين يتحول الفعل السياسي إلى مجرد استثمار في الأزمة، نصير أمام “مكر سياسي” أكثر منه “مشروعا وطني”، تماما كما وصف بول ريكور العلاقة بين الخطاب والنوايا المخفية.

فالذي يطلق اليوم “حركة زد” لاستعادة الحزب، هو نفسه الذي لم يستطع، بالأمس، استعادة كرامة المواطن حين كان في صلب الحكومات المتعاقبة. فهل المطلوب منا أن ننسى كل ذلك، لأن بعضهم قرر فجأة أن يكون شابا من جديد؟

أكثر ما يُهدد هذا البلد الآن ليس فقط التخلف في مجالات التعليم أو الصحة أو العدل، بل هذا النمط من الخطاب الانتهازي، الذي يتغذى على كل هشاشة، ويعيد إنتاج ذاته عبر قوالب جديدة.

ولسنا بحاجة إلى “حركات” حزبية تتزين بالنجوم الحمراء، بل إلى وعي جماعي يعيد تعريف معنى الفعل السياسي: لا كوسيلة للتموقع، بل كوسيلة لتغيير حقيقي، يبدأ من الاعتراف، لا من التنصل…
في النهاية، الوطن ليس ملعبا انتخابيا، بل كينونة تتطلب من الفاعلين أن يرتقوا إلى مستوى اللحظة. وإلا فإن الأجيال القادمة لن تتساءل من صوت أو من انسحب، بل من خان اللحظة التاريخية حين كان التغيير ممكنا، ولكنه فضل أن يرفع شعارات خاوية، فوق رماد الغضب…

التعليقات مغلقة.