الانتفاضة / مهدي الكريمي/ صحفي متدرب
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تنطلق جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، في لحظة إقليمية تبدو مختلفة عن كل ما سبقها. فالمحادثات المرتقبة لا تأتي فقط بعد أربع جولات تفاوضية سابقة، بل تتزامن مع تطورات سياسية لافتة أبرزها التقدم المسجل في المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي احتضنتها سويسرا، ما يثير تساؤلات جدية حول فرص تحقيق اختراق حقيقي في الملف اللبناني.
وتحمل الجولة الخامسة من المفاوضات أهمية استثنائية لكونها تنعقد وسط هدنة هشة في جنوب لبنان، وفي ظل ضغوط أمريكية متزايدة لإنهاء بؤر التوتر في المنطقة. كما تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وتل أبيب تباينات واضحة بشأن إدارة الملفات الإقليمية، خاصة بعد التقارب النسبي بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتركز المباحثات على مسارين رئيسيين؛ أمني وسياسي. ففي الجانب الأمني، يسعى الوسطاء إلى تثبيت وقف إطلاق النار ووضع آليات عملية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق الجنوبية وتسليمها للجيش اللبناني، تمهيدا لبحث الانسحاب الأوسع من الأراضي اللبنانية المحتلة. غير أن هذا المسار لا يزال يصطدم بعقبات معقدة، أبرزها الخلاف حول الجهة التي ستشرف على تنفيذ الترتيبات الميدانية، إضافة إلى إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بمناطق تعتبرها ضرورية لأمنها.
أما المسار السياسي، فيهدف إلى صياغة إطار للعلاقة المستقبلية بين الطرفين عبر “إعلان نوايا” تدفع به واشنطن، يتضمن احترام السيادة المتبادلة ومنع أي تهديد أمني عبر الحدود. ورغم أن الحديث لا يدور عن اتفاق سلام شامل، فإن مجرد الانتقال إلى مناقشة شكل العلاقة السياسية يعد تطورا لافتا مقارنة بالمراحل السابقة التي طغت عليها الاعتبارات العسكرية.
ويبدو أن مفاوضات سويسرا بين واشنطن وطهران ألقت بظلالها بقوة على هذا المسار. فبحسب مراقبين، فإن الملف اللبناني أصبح جزءا من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها المصالح الأمريكية والإيرانية. فواشنطن تسعى إلى تهدئة ساحات الصراع وتخفيف أعباء الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط، بينما تركز طهران على تثبيت الاستقرار في لبنان بعد سنوات من المواجهة والاستنزاف.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مليئا بالتحديات. فالعقدة الأساسية تتمثل في الموقف الإسرائيلي الرافض حتى الآن للانسحاب الكامل من بعض المناطق الجنوبية، وهو ما تعتبره بيروت شرطا لا يمكن التنازل عنه للوصول إلى تسوية مستدامة.
ومع انطلاق جولة واشنطن الجديدة، تبدو المنطقة أمام اختبار دبلوماسي مهم. فإما أن تنجح المفاوضات في تحويل الهدنة الهشة إلى استقرار طويل الأمد، أو أن تبقى الخلافات الميدانية والسياسية عائقا أمام أي اختراق حقيقي.
وفي كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم يؤكد أن مستقبل الجنوب اللبناني لم يعد يُناقش فقط على الحدود، بل أصبح جزءا من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بين القوى الكبرى والفاعلين الرئيسيين في الشرق الأوسط.