المغرب: أرقام واضحة حول استرجاع الدعم العمومي للأحزاب بين 2022 و2025

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

كشف المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي الصادر يوم الأربعاء 28 يناير الجاري، عن تفاصيل مهمة تتعلق بتدبير الدعم العمومي المخصص للأحزاب السياسية في المغرب، مسلطا الضوء على المبالغ المرجعة وغير المرجعة، وتوزيعها حسب السنوات والأغراض، بما يعكس شفافية جزئية وإشكالات مستمرة في المحاسبة المالية للأحزاب.

وبحسب التقرير، فقد قامت 24 حزبا سياسيا بإرجاع ما مجموعه 36.03 مليون درهم من الدعم العمومي غير المستعمل، وهو رقم يعكس وعيا جزئيا بالتزامات المحاسبة المالية والشفافية أمام الدولة والمواطنين. ويشير التقرير إلى أن هذا المبلغ موزع على السنوات السابقة، حيث بلغ 19 مليون درهم عن سنة 2022، و8.07 ملايين درهم عن سنة 2023، و8.85 ملايين درهم عن سنة 2024، ثم 115.602.27 درهم حتى حدود نونبر 2025. وتوضح هذه الأرقام أن هناك اهتماما متزايدا من بعض الأحزاب بالوفاء بالتزاماتها المالية، وإن كان التفاوت في المبالغ المرجعة يعكس اختلاف قدرات التنظيم المالي والسياسات الداخلية لكل حزب.

أما بالنسبة لتوزيع هذه المبالغ، فقد أفاد المجلس أن الجزء الأكبر من الدعم الذي تم إرجاعه، 28.71 مليون درهم، يتعلق بدعم الحملات الانتخابية، وهو جانب جوهري يعكس العلاقة المباشرة بين التمويل العمومي والممارسة الديمقراطية، إذ من المفترض أن يوجه الدعم لتسهيل المشاركة السياسية وليس لإشباع مخصصات مالية غير مستغلة. بينما بلغت المصاريف المرجعة المتعلقة بالتدبير 2.53 مليون درهم، والمصاريف المرتبطة بالمهام والدراسات والأبحاث 4.79 مليون درهم، وهو ما يظهر حجم النفقات التشغيلية التي يتم التعامل معها بشكل متباين بين الأحزاب.

إلى جانب ذلك، كشف المجلس أن هناك مبالغ مالية لم يتم إرجاعها بعد، بلغت 21.85 مليون درهم، وتمثل التزامات غير مستوفاة لدى 14 حزبا سياسيا. ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول آليات الرقابة والمتابعة المالية، وكذلك عن جدوى العقوبات أو التحفيزات التي يمكن أن تعتمدها الدولة لضمان الالتزام بالمحاسبة المالية. فغياب الإرجاع أو التأخر فيه لا يعكس فقط خللا إداريا، بل قد يشكل خرقًا للتزامات قانونية تمثل حجر الأساس في العلاقة بين الدولة والأحزاب السياسية.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في سياق استحقاقات سياسية مقبلة، حيث يمثل التمويل العمومي للأحزاب ركيزة أساسية لضمان المنافسة الديمقراطية العادلة، بعيدًا عن أي تفوق مالي مفرط لأحزاب معينة على حساب أخرى. فالتوازن المالي بين الأحزاب هو أحد الشروط الأساسية لضمان تكافؤ الفرص في الانتخابات، ولتعزيز المصداقية في العمل السياسي، وهو ما يتطلب رصدًا دقيقًا ومتابعة مستمرة.

ويشير التقرير أيضا إلى أهمية آليات التدقيق والمحاسبة التي يعتمدها المجلس الأعلى للحسابات، والتي تأتي في إطار الرقابة الدستورية على المالية العمومية، وتعكس حرص الدولة على ضمان استغلال الدعم العمومي بشكل رشيد ومسؤول. ومن خلال نشر هذه الأرقام، يرسل المجلس رسالة واضحة إلى الأحزاب، مفادها أن الشفافية والمحاسبة ليست خيارا، بل التزام دستوري وأخلاقي تجاه المواطنين.

ويعد التوزيع التفصيلي للمبالغ المرجعة على الأغراض المختلفة مؤشرا مهما على كيفية إدارة الأحزاب للموارد المالية العمومية، إذ يوضح التقرير أن جزءا كبيرا من الدعم يتعلق بالنفقات التشغيلية والدراسات، وهي عناصر أساسية لتطوير برامج الأحزاب وكفاءتها التنظيمية، لكنها في الوقت نفسه تضع تحديات أمام المجلس لمراقبة مدى مطابقة هذه النفقات للأهداف القانونية للدعم العمومي.

من منظور تحليلي، فإن هذه الأرقام تكشف عن فجوة كبيرة بين بعض الأحزاب في التزاماتها المالية، وهو ما قد يؤدي إلى ضعف الثقة في القطاع السياسي إذا لم يتم معالجته بشكل حاسم. فالشفافية المالية والمساءلة ليست مجرد قواعد شكلية، بل أدوات ضرورية لتعزيز الديمقراطية، وضمان أن تكون الأحزاب خاضعة للرقابة، وأن الدعم العمومي يذهب فعليًا لتعزيز العمل السياسي وليس لتمويل الهدر أو التسيير الشخصي.

وبالإضافة إلى ذلك، يمثل عدم إرجاع جزء من الدعم العمومي مؤشرا على الحاجة إلى تطوير آليات أكثر صرامة لضمان الالتزام، سواء من خلال تشديد العقوبات أو تحسين نظم التدقيق الداخلي داخل الأحزاب. فالرقابة فقط لا تكفي إذا لم تكن مصحوبة بإجراءات تنفيذية فعالة تضمن محاسبة كل حزب متخلف عن الالتزام.

في الختام، يعكس تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2024-2025 صورة شاملة عن الواقع المالي للأحزاب السياسية المغربية، من حيث الالتزام بالشفافية، توزيع الدعم، والمخالفات أو التأخر في الإرجاع. ويضع هذا التقرير مسؤولية كبيرة على جميع الأطراف، سواء الحكومة أو الأحزاب أو الهيئات الرقابية، للعمل معًا لضمان أن التمويل العمومي يخدم بالفعل الديمقراطية والمنافسة السياسية العادلة، ويعزز مصداقية النظام السياسي في نظر المواطنين.

إن معالجة هذا الملف بشكل حازم وشفاف سيكون له أثر كبير على الثقة في العمل السياسي، كما سيؤسس لممارسات مالية سليمة داخل الأحزاب، تعكس احترامها للقوانين والتزاماتها تجاه المجتمع والدولة، وتؤكد أن الدعم العمومي يجب أن يكون أداة تمكين ديمقراطي وليس مجرد حسابات مالية تتجاهل روح القانون.

التعليقات مغلقة.