أحزاب كبرى تتنافس على رئاسة الحكومة وسط سباق مفتوح على جميع الاحتمالات، فمن سيقود الحكومة المغربية بعد انتخابات 2026؟

الانتفاضة/ جميلة ناصف

لم يعد النقاش السياسي في المغرب، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، يقتصر على الحزب الذي سيتصدر نتائج الاقتراع أو عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل تنظيم سياسي، بل اتجهت الأنظار بشكل متزايد نحو سؤال آخر يكتسي أهمية خاصة في هذه المرحلة، وهو من سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة.
فمع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، بدأت ملامح المنافسة تتشكل داخل عدد من الأحزاب الكبرى، سواء عبر الدفع بقيادات حزبية جديدة أو التعويل على وزراء راكموا تجربة في تدبير الشأن العام، أو من خلال أسماء برز حضورها في المشهدين السياسي والإعلامي، الأمر الذي يجعل سباق رئاسة الحكومة مفتوحا على أكثر من سيناريو، خاصة في ظل طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يجعل تشكيل الأغلبية رهينا بنتائج الاقتراع والتحالفات التي تعقبه.
وبحسب قراءة نشرتها مجلة «جون أفريك»، فإن التنافس على قيادة الحكومة المقبلة لا يرتبط فقط ببرامج الأحزاب الانتخابية أو حجم حضورها التنظيمي، بل يشمل أيضا الشخصيات القادرة على قيادة المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ما تفرضه من تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وما تستلزمه من كفاءة في التدبير وقدرة على إدارة الملفات الكبرى.
وفي هذا السياق، يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة جديدة بعد انتخاب محمد شوكي رئيسا للحزب، خلفا لعزيز أخنوش الذي قاد التنظيم خلال السنوات الماضية، وأشرف على وصوله إلى قيادة الحكومة عقب انتخابات 2021. ويعد شوكي من الوجوه التي راكمت تجربة في عالم الأعمال قبل انتقالها إلى العمل السياسي، كما تدرج داخل مختلف هياكل الحزب إلى أن وصل إلى رئاسته، مستندا إلى تنظيم حزبي يعد من بين الأكثر حضورا على المستوى الوطني، وإلى شبكة واسعة من المنتخبين والأطر والفاعلين المحليين.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن انتخاب محمد شوكي يعكس رغبة الحزب في ضمان استمرارية المشروع السياسي الذي تبناه خلال السنوات الأخيرة، والمحافظة على نفس التوجه الاقتصادي والاستثماري الذي ميز مرحلة عزيز أخنوش. غير أن الرئيس الجديد يواجه في المقابل تحديات تتعلق بمحدودية حضوره الإعلامي، وغياب تجربة مباشرة في تدبير القطاعات الحكومية الكبرى، وهو ما يجعل البعض يعتبره امتدادا للقيادة السابقة أكثر من كونه شخصية سياسية مستقلة استطاعت فرض حضورها على الساحة الوطنية.
ورغم أن حزب التجمع الوطني للأحرار يظل أحد أبرز المرشحين للمنافسة على صدارة الانتخابات المقبلة، فإن وصول محمد شوكي شخصيا إلى رئاسة الحكومة يبقى، وفق عدد من المتابعين، رهينا بقدرته على تعزيز حضوره السياسي والإعلامي خلال الفترة المقبلة، وإقناع الرأي العام بامتلاكه المؤهلات اللازمة لقيادة السلطة التنفيذية.
ولا يمكن الحديث عن سباق رئاسة الحكومة المقبلة دون التوقف عند حزب العدالة والتنمية، الذي يسعى إلى استعادة موقعه في المشهد السياسي بعد التراجع الكبير الذي عرفه في انتخابات سنة 2021. فالحزب يراهن على إعادة بناء حضوره التنظيمي واستعادة جزء من قاعدته الانتخابية، مستفيدا من عودة أمينه العام عبد الإله بنكيران إلى واجهة العمل الحزبي، ومن خطابه السياسي الذي ما يزال يحظى بمتابعة واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
ويظل اسم عبد الإله بنكيران حاضرا بقوة كلما أثير النقاش حول رئاسة الحكومة، بالنظر إلى تجربته السابقة على رأس السلطة التنفيذية بين سنتي 2011 و2017، وهي المرحلة التي ارتبطت بتنزيل عدد من الإصلاحات الكبرى، كما شهدت حضورا سياسيا وإعلاميا لافتا. ويعتبر أنصار الحزب أن بنكيران ما يزال يمتلك قدرة على تعبئة جزء من الناخبين، بفضل أسلوبه المباشر في التواصل وخبرته في إدارة التحالفات السياسية، فيما يرى منتقدوه أن عودته إلى رئاسة الحكومة تبقى رهينة بتغير موازين القوى الانتخابية وقدرة الحزب على استعادة موقعه ضمن الأحزاب المتصدرة.
غير أن إمكانية عودة بنكيران إلى رئاسة الحكومة تبقى مرتبطة، قبل كل شيء، بنتائج صناديق الاقتراع. فالدستور المغربي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، وهو ما يجعل أي حديث عن عودته يظل مرتبطا بقدرة حزب العدالة والتنمية على تحقيق تقدم انتخابي يعيده إلى صدارة المشهد السياسي، بعد أن انتقل خلال الولاية الحالية إلى صفوف المعارضة.
ويرى عدد من المتابعين أن حضور بنكيران في الحملة الانتخابية المقبلة قد يمنح الحزب زخما سياسيا وإعلاميا، حتى وإن لم يكن ذلك كافيا بمفرده لضمان العودة إلى قيادة الحكومة. فالمنافسة الانتخابية الحالية تختلف عن الاستحقاقات السابقة، بالنظر إلى بروز قيادات جديدة داخل أحزاب الأغلبية، وتغير أولويات الناخبين، وارتفاع سقف الانتظارات المرتبطة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل رهان العدالة والتنمية لا يقتصر على استعادة الثقة، بل يمتد إلى تقديم برنامج قادر على إقناع الناخبين بأنه يمتلك تصورا متكاملا لتدبير المرحلة المقبلة.
وبذلك، ينضم حزب العدالة والتنمية إلى قائمة الأحزاب التي تطمح للمنافسة على قيادة الحكومة المقبلة، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بينما تبقى الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع وما ستفرزه من توازنات سياسية وتحالفات برلمانية، ستحدد في نهاية المطاف الحزب الذي سيقود الأغلبية، والشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة خلال الولاية التشريعية 2026-2031.
ومن داخل الحزب نفسه، يبرز اسم نادية فتاح العلوي باعتباره من أكثر الأسماء تداولا كلما تعلق الأمر بالحديث عن رئاسة الحكومة. فالوزيرة الحالية للاقتصاد والمالية راكمت تجربة مهمة في قطاع المال والأعمال قبل التحاقها بالحكومة، كما اكتسبت خبرة واسعة في تدبير الملفات الاقتصادية والمالية الكبرى، إضافة إلى حضورها في عدد من المؤسسات والمنتديات المالية الدولية.
ويعتبر عدد من المراقبين أن نادية فتاح العلوي تمتلك مؤهلات تقنية وخبرة اقتصادية تؤهلها لتولي مسؤوليات أكبر، خاصة في ظل الظرفية الاقتصادية التي يعرفها المغرب وما تتطلبه من كفاءة في تدبير الملفات المالية والاستثمارية. غير أن محدودية امتدادها داخل التنظيم الحزبي، إلى جانب حضورها الإعلامي المحدود مقارنة ببعض القيادات السياسية الأخرى، يجعلان فرضية وصولها إلى رئاسة الحكومة تبقى ضمن السيناريوهات الممكنة دون أن تكون محسومة.
وفي الجهة المقابلة، يخوض حزب الأصالة والمعاصرة الاستحقاقات المقبلة معتمدا على قيادة جماعية تضم فاطمة الزهراء المنصوري ومهدي بنسعيد، في تجربة تنظيمية مختلفة عن النموذج التقليدي القائم على زعيم واحد، وهو خيار يسعى الحزب من خلاله إلى تدبير المرحلة بشكل جماعي وتوزيع المسؤوليات بين عدد من قياداته.
وتبقى فاطمة الزهراء المنصوري من أبرز الشخصيات داخل الحزب، بالنظر إلى جمعها بين رئاسة مجلس جماعة مراكش وتوليها حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. كما يتردد اسمها باستمرار ضمن الشخصيات المرشحة لقيادة الحكومة في حال تصدر الحزب للانتخابات، وهو ما قد يجعلها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية عبر المسار الحزبي، إذا توفرت الشروط السياسية اللازمة لذلك.
أما مهدي بنسعيد، فيمثل أحد الوجوه السياسية الشابة التي برزت خلال السنوات الأخيرة، واستطاع أن يعزز حضوره من خلال إشرافه على قطاع الشباب والثقافة والتواصل، حيث يقدم نفسه باعتباره من الجيل الجديد من السياسيين الذين يراهنون على خطاب أكثر قربا من الشباب، وعلى مواكبة التحولات الرقمية والثقافية التي يشهدها المجتمع المغربي.
كما يبرز داخل الحزب أيضا اسم يونس السكوري، الذي استطاع أن يلفت الانتباه من خلال تدبيره لعدد من الملفات الاجتماعية الحساسة، وفي مقدمتها الحوار الاجتماعي وسياسات التشغيل وسوق الشغل. ويستند حضوره إلى تكوين أكاديمي في الهندسة وعلوم التسيير، فضلا عن خبرته في إدارة المفاوضات مع مختلف الشركاء الاجتماعيين، وهو ما جعله من الأسماء التي تحظى باهتمام داخل الحزب.
ورغم توفر حزب الأصالة والمعاصرة على أكثر من شخصية يمكن أن تنافس على قيادة الحكومة، فإن الحزب يظل مطالبا بالحفاظ على تماسكه الداخلي وتوحيد مواقفه، خاصة في ظل النقاشات التي ترافق بعض قياداته، وهو ما يجعل الحسم في الشخصية التي سيدفع بها لرئاسة الحكومة، في حال تصدره الانتخابات، مؤجلا إلى ما بعد إعلان النتائج.
وفي المقابل، تبدو المنافسة الانتخابية مرشحة لأن تتجاوز الحسابات التقليدية المرتبطة بعدد المقاعد، لتشمل أيضا قدرة الأحزاب على تقديم شخصيات تحظى بثقة الرأي العام، وتملك الكفاءة والخبرة اللازمتين لقيادة مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، سواء على المستوى الوطني أو في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
كما أن التجربة السياسية المغربية أظهرت في أكثر من محطة أن نتائج صناديق الاقتراع، رغم أهميتها، لا تكون وحدها المحدد النهائي لهوية رئيس الحكومة، إذ تلعب التحالفات السياسية التي تعقب الانتخابات دورا محوريا في تشكيل الأغلبية الحكومية، وقد تعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب، بما ينعكس مباشرة على اختيار الشخصية التي ستقود السلطة التنفيذية خلال الولاية المقبلة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يرتقب أن تزداد حدة المنافسة بين الأحزاب الكبرى، ليس فقط من أجل تصدر النتائج، وإنما أيضا لإقناع الناخبين بقدرتها على تقديم قيادة سياسية قادرة على مواصلة الأوراش الاستراتيجية التي تعرفها المملكة، والاستجابة للانتظارات المتزايدة للمواطنين في مجالات التشغيل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والاستثمار.
ويبقى شهر شتنبر 2026 محطة سياسية مفصلية ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، سواء من حيث الحزب الذي سيقود الأغلبية الحكومية، أو الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة. غير أن الكلمة الأخيرة ستظل بيد الناخبين من جهة، وبيد التوازنات والتحالفات السياسية التي ستفرزها نتائج الاقتراع من جهة أخرى، وهو ما يجعل جميع السيناريوهات تبقى واردة إلى حين إعلان النتائج النهائية وتشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة.

التعليقات مغلقة.