الانتفاضة / ا. السوسي
لم تكن مدينة “أليكانتي” الإسبانية قد استفاقت بعد على بداية يوم جديد، حين كان سيناريو مختلف تماما يُنفذ في مكان آخر من المدينة، بعيدا عن الأنظار.
دقائق قليلة، كانت كافية لاختفاء جزء من تاريخ أوروبا القديم من داخل متحف فيينا (MUVI)، بعدما تمكنت مجموعة من اللصوص من الاستيلاء على عشرات القطع الأثرية النادرة في عملية بدت، منذ لحظاتها الأولى، وكأنها أُعدت بعناية فائقة.
لم يكن الأمر اقتحاما عشوائيا أو تحركا مرتجلا، فالتفاصيل التي بدأت تتكشف من خلال التحقيقات الأولية للحرس المدني الإسباني، تشير إلى أن منفذي العملية اعتمدوا خطة تقوم على تشتيت الانتباه، واختيار التوقيت المناسب، والوصول إلى الهدف قبل أن تتدخل عناصر الأمن.
فقد كانت الساعة تشير إلى الخامسة و16 دقيقة صباحا عندما انطلق الجزء الأول من الخطة، إنذار كاذب في مركز رياضي يقع على أطراف المدينةن دفع قوات الأمن إلى التوجه نحو المكان، في الوقت الذي كان فيه المتحف يستعد لمواجهة الخطر الحقيقي.
وبعد أربع دقائق فقط، وتحديدا عند الساعة الخامسة و20 دقيقة، انطلقت أجهزة الإنذار داخل متحف “فيينا”، غير أن الفارق الزمني القصير كان كافيا لإنهاء العملية؛ فعندما وصلت عناصر الأمن إلى الموقع، كان اللصوص قد غادروا المكان، تاركين خلفهم آثار اقتحام سريع وقطعا أثرية اختفت من خزائن المتحف.
المستهدف لم يكن مجرد مقتنيات ثمينة، بل مجموعة تعد من أبرز الكنوز المرتبطة بالعصر البرونزي المتأخر في أوروبا، حيث تمكن المنفذون من الاستيلاء على 59 قطعة أثرية، من بينها مصوغات ذهبية وفضية وثلاثة تيجان مذهبة، وهي قطع تحمل قيمة تاريخية تفوق بكثير قيمتها المادية التي قدرت بأكثر من 1.5 مليون يورو.
ومع تقدم التحقيقات، بدأت صورة العملية تتضح أكثر، فاللصوص حاولوا في البداية الدخول عبر الباب الرئيسي، لكن فشل المحاولة لم يوقفهم، إذ انتقلوا إلى خيار آخر تمثل في تحطيم النوافذ الجانبية رغم التحصينات الأمنية، قبل الوصول إلى القطع التي كانت تشكل هدفهم الأساسي.
إن خلف هذه السرقة الخاطفة، توجد قصة أقدم بكثير من لحظة الاقتحام. فـ “كنز فيينا” ليس مجرد مجموعة من المعادن النفيسة، بل شاهد أثري يعود إلى حقبة بعيدة من التاريخ الأوروبي، بعدما تم اكتشافه سنة 1963 على يد عالم الآثار “خوسيه ماريا سولير” في مجرى نهر جاف، ليصبح لاحقا إحدى أهم المجموعات الأثرية التي توثق للحضارات القديمة.
وفي الوقت الذي بدأت فيه السلطات الإسبانية البحث عن خيوط تقود إلى منفذي العملية، كانت الصدمة الأكبر مرتبطة بحجم ما فُقدن فقد أوضح عمدة المدينة، “فولجينثيو سيردان”، أن المجموعة لم يبق منها سوى ثلاث أوانٍ فضية، وسوار، وجزء من قطعة زينة، إضافة إلى تاج واحد سقط من اللصوص أثناء فرارهم.
اليوم، لا يتعلق الأمر فقط بسرقة قطع ذهبية وفضية، بل بفقدان مؤقت لجزء من ذاكرة حضارية عمرها آلاف السنين، إذ وبينما تواصل فرق التحقيق عملها لاستعادة هذا الكنز، يبقى السؤال الجليّ المطروح: كيف استطاعت عملية استغرقت وقتا قصيرا، أن تهز واحدا من أهم المتاحف الأثرية في إسبانيا، بالرغم من افتراض وجود تحصين أمني مُعدّ للتصدي لسرقات مماثلة؟