الانتخابات التشريعية المقبلة.. بين فقدان الثقة وعودة الوجوه السياسية القديمة

الانتفاضة / عبد الحكيم الرازي

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يعود النقاش من جديد حول علاقة المواطن المغربي بالسياسة وصندوق الاقتراع، في ظل أسئلة متزايدة بشأن جدوى المشاركة الانتخابية ومدى قدرة الوجوه السياسية المتنافسة على استعادة ثقة الناخبين.

وفي أحاديث متداولة داخل أوساط واسعة من المواطنين، يبرز شعور واضح بالاستياء من عودة بعض الوجوه السياسية التي سبق أن تولت مسؤوليات انتخابية أو حزبية، خصوصاً تلك التي ارتبط اسمها، في نظر منتقديها، بوعود انتخابية لم تتحول إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد يطرح مواطنون سؤالاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: كيف يمكن إقناع الناخب بالمشاركة من جديد، إذا كان سيجد أمامه الوجوه نفسها والخطاب نفسه والوعود ذاتها؟

فبالنسبة إلى فئة من المواطنين، لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بالاختلاف بين الأحزاب والبرامج، وإنما أصبح مرتبطاً أساساً بأزمة ثقة، فالمواطن يريد أن يرى مرشحين جدد، يحملون أفكاراً واقعية، ويتوفرون على الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، بدل الاكتفاء بالشعارات التي تظهر بقوة خلال الحملات الانتخابية ثم تتراجع بعد الوصول إلى المؤسسات.

وتزداد هذه التساؤلات حدة مع اقتراب موعد الاقتراع، خاصة وأن النقاش حول العزوف الانتخابي واستقطاب المواطنين، لا سيما الشباب، قد أصبح من أبرز تحديات استحقاقات 2026.

هل فقد المواطن ثقته في العملية الانتخابية؟
عبارات من قبيل: “لماذا سأصوت؟” و “ماذا تغير بعد الانتخابات السابقة؟” أصبحت حاضرة في النقاش اليومي لدى عدد من المواطنين، وهي تعكس، قبل كل شيء، حالة من الإحباط السياسي أكثر مما تعكس رفضاً لمبدأ المشاركة الديمقراطية في حد ذاته.

ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن المشاركة الانتخابية تحتاج إلى استعادة معناها الحقيقي، وذلك من خلال جعل صوت المواطن وسيلة فعلية لاختيار من يراه قادراً على تمثيله والدفاع عن مصالحه، وليس مجرد محطة موسمية تتجدد فيها الوعود.

في المقابل، يرى آخرون أن العزوف، مهما كانت أسبابه، لا ينبغي أن يتحول إلى موقف دائم، لأن غياب المواطن عن صندوق الاقتراع يترك المجال للآخرين لاتخاذ القرار نيابة عنه، ومن هنا تبرز مسؤولية الأحزاب والمرشحين في تقديم بدائل حقيقية وبرامج قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء باستحضار الخطابات الانتخابية التقليدية.

سؤال آخر يطرحه الشارع
ومن بين الأفكار التي قد تظهر في النقاش الشعبي، أيضاً سؤال حول ما إذا كان من الممكن أن تكون هناك طريقة أخرى لاختيار المسؤولين، بدل ترك الأمر برمته لصناديق الاقتراع.

ويذهب بعض المواطنين، في تعبير عن حجم فقدان الثقة، إلى التساؤل بشكل افتراضي: لماذا لا يتم اختيار الأشخاص الذين تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة لتولي المسؤولية، بما يجعل من يتحمل الاختيار مسؤولاً مباشرة عن نتائج ذلك الاختيار؟

غير أن هذا الطرح يظل سؤالاً سياسياً وشعبياً أكثر منه اقتراحاً قائماً في النظام الدستوري المغربي؛ فالاختيار الانتخابي للنواب يقوم على تصويت المواطنين، بينما يحدد الدستور والقوانين اختصاصات كل مؤسسة وطريقة تشكيلها.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام انتخابات 2026 هو كيفية إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، وبين الناخب والمرشح، وبين الوعود والنتائج، فالمغربي كما يعبر عدد من المواطنين، لا يبحث بالضرورة عن خطاب سياسي أكثر ارتفاعاً، وإنما عن مسؤول منتخب يحترم كلمته، يلتزم بما وعد به، ويظل قريباً من المواطنين بعد انتهاء الحملة الانتخابية كما كان قريباً منهم خلالها.

وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات ليست فقط يوم الاقتراع، بل هي اختبار حقيقي للثقة والمسؤولية والمصداقية، فإذا كانت بعض الأصوات قد اختارت الابتعاد عن صناديق الاقتراع، فإن السؤال المطروح اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا يعزف المواطن عن التصويت؟ وإنما أيضاً: ماذا فعلت الأحزاب والمرشحون لاستعادة ثقته؟
فالكرة، في جانب كبير منها، توجد في ملعب الفاعل السياسي؛ والمواطن يريد أن يرى تغييراً حقيقياً قبل أن يُطلب منه أن يغيّر موقفه من الانتخابات.

التعليقات مغلقة.