حقول صقلية تتحول إلى قفص للعبودية

عمال مغاربة يواجهون قبضة المافيات الفلاحية

0

الانتفاضة/ بقلم: سيداتي بيدا

لم تعد الحقول الزراعية في صقلية الإيطالية مجرد فضاء للإنتاج والعمل، بعدما كشفت التحقيقات عن وجه قاتم لواقع يختبئ خلف سلاسل الغذاء: عمال مهاجرون يتحولون إلى فريسة لشبكات تستغل الحاجة وتستبيح الكرامة الإنسانية.

في ريغالبوتو وإينا، تفجرت قضية تكشف عن استغلال عمال مغاربة في ظروف قاسية، بعدما تمكن أربعة ضحايا من كسر حاجز الخوف وفتح الطريق أمام السلطات لكشف تفاصيل ممارسات تقترب من مفهوم الاستعباد الحديث. ساعات عمل شاقة، أجور زهيدة، وظروف سكنية مهينة، هي بعض ملامح واقع دفع هؤلاء العمال إلى مواجهة منظومة استغلال لا ترى في الإنسان سوى يد عاملة قابلة للاستهلاك.

المثير في القضية أن الضحايا لم يكتفوا بالصمت، بل اختاروا المواجهة، مستفيدين من دعم جمعية «بينيلوبي»، لتتحول شهاداتهم إلى خيط قاد التحقيقات نحو شبكة يُشتبه في تورطها في الاتجار بالبشر واستغلال العمال.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف حول الأجور أو ظروف العمل، بل بحد فاصل بين العمل المشروع والاستغلال الإجرامي. فعندما يُجبر العامل على ساعات طويلة مقابل مردود هزيل، ويُحاصر داخل ظروف معيشية تحط من إنسانيته، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد لتصبح اعتداءً على أبسط الحقوق.

وقد تحرك القضاء الإيطالي، وفق المعطيات الواردة في القضية، ضد أربعة مواطنين رومانيين يُشتبه في إدارتهم للشبكة، مع إخضاع المشتبه به الرئيسي للإقامة الجبرية بواسطة سوار إلكتروني، فيما فُرضت على الآخرين إجراءات رقابية تشمل المثول الدوري أمام الشرطة.

لكن الإجراءات القضائية، مهما بلغت صرامتها، يجب ألا تكون نهاية القصة. فالمطلوب هو ضرب المنظومة التي تسمح بتكاثر الوسطاء والسماسرة الذين يحولون هشاشة العمال المهاجرين إلى مصدر للثراء.

إن صمت الضحايا لا يجب أن يُفهم باعتباره قبولاً، وخوف المهاجر من فقدان عمله أو وضعه القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى رخصة للاستغلال. فالعرق واللغة والوضع الاجتماعي لا تمنح أحداً حق انتهاك كرامة إنسان آخر.

ما جرى في صقلية يفرض على السلطات الإيطالية تشديد الرقابة على القطاع الزراعي، وتجفيف منابع شبكات الوساطة غير القانونية، وضمان وصول العمال المهاجرين إلى العدالة دون خوف أو ابتزاز.

فالحقول التي تنتج الغذاء لا يجوز أن تُروى بعرق المستضعفين ودموعهم.
وإذا كانت العدالة قد بدأت بفتح هذا الملف، فإن المطلوب هو الذهاب به إلى نهايته
لا حصانة للمتاجرين بالبشر، ولا تسامح مع من يحول لقمة العيش إلى قيد، والعمل إلى عبودية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.