الانتفاضة / إلهام أوكادير
لم تعد قوة الدول تُقاس بما تختزنه من ثروات طبيعية فقط، بل أيضاً بقدرتها على تحويل المعرفة والمهارات البشرية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وهي المعادلة التي يواصل المغرب ترسيخها عاماً بعد آخر، بعدما نجح في بناء مسار طموح، يقوم على الاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر.
وفي هذا الإطار، صنفت منصة “ذا أفريكان إكسبوننت” (The African Exponent)، المتخصصة في التحليلات الاقتصادية على مستوى القارة الإفريقية، المملكة المغربية في المرتبة الثانية بعد جنوب افريقيا، ضمن قائمة أكثر عشر دول إفريقية قدرة على استثمار الكفاءات البشرية وتحويل الرأسمال المعرفي والذكاء إلى إنتاج وثروة، وهو تصنيف يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل الاقتصاد الإفريقي القائم على المعرفة والابتكار.
ولعل أبرز ما يمنح هذا التصنيف أهميته أنه لا يرتبط بحجم الموارد الطبيعية أو الثروات التقليدية، وإنما يقيس قدرة الدول على توظيف الطاقات البشرية، واستثمار المؤهلات العلمية والمهنية، وتحويلها إلى مشاريع وقطاعات منتجة تخلق فرص الشغل وتعزز النمو الاقتصادي.
وتتجسد هذه الصورة في التحولات التي عرفها الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة، حيث اتجهت المملكة إلى تطوير صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، من بينها صناعة السيارات والطيران والتكنولوجيات الحديثة، وهي قطاعات أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الكفاءات المغربية والخبرة التقنية والابتكار، بعدما كانت حكراً على عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة.
وما يمنح هذا الإنجاز بعداً إضافياً أن الرهان على العنصر البشري لم يعد مجرد شعار تنموي، بل تحول إلى خيار اقتصادي ينعكس على تنافسية المغرب داخل القارة، ويعزز حضوره كوجهة قادرة على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات الحديثة والاقتصاد المعرفي.
ولا يقف أثر هذا التصنيف عند حدود الترتيب القاري، بل يبعث برسالة مفادها أن الاستثمار في التعليم والتكوين وتأهيل الكفاءات يمكن أن يصبح أحد أهم محركات التنمية، وأن بناء اقتصاد قوي يبدأ من العقول القادرة على الإبداع وتحويل الأفكار إلى مشاريع ومنتجات تساهم في خلق الثروة.