الانتقاضة/ ابراهيم السروت
لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد موعد لتوزيع المقاعد داخل مجلس النواب، بل شكلت لحظة سياسية كاشفة أعادت ترتيب موازين القوى، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة في الحياة السياسية المغربية.
فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65 مقعدا، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية بحصوله على 54 مقعدا.
لكن المفاجأة السياسية الأكبر لم تكن في الأرقام وحدها، بل في ما ترتب عنها. فقد عين الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب.
المنصوري من مراكش إلى رئاسة الحكومة
انتقال فاطمة الزهراء المنصوري من تدبير الشأن المحلي بمراكش إلى قيادة الحكومة يضع المدينة الحمراء في قلب المشهد السياسي الوطني.
فالمنصوري ليست فقط رئيسة للحكومة الجديدة، وإنما شخصية ارتبط اسمها لسنوات بتدبير مدينة مراكش، بما تحمله المدينة من ملفات ثقيلة: النقل، النظافة، التعمير، البنية التحتية، السياحة، تدبير المجال الحضري، والمشاريع الكبرى.
وهنا سيطرح المواطن المراكشي سؤالا بسيطا لكنه شديد الأهمية:
هل ستنجح المنصوري وطنيا في معالجة الملفات التي ظلت تؤرق مراكش؟
الجواب لن يكون بالخطابات، وإنما بما ستنجزه الحكومة الجديدة على أرض الواقع.
مراكش والحوز.. الانتخابات كشفت الكثير
في مراكش والحوز تحديدا، لم تكن الانتخابات مجرد منافسة بين الأحزاب، بل كانت اختبارا للوجوه المحلية ولشبكات النفوذ ولقدرة المنتخبين على إقناع المواطنين.
فالناخب اليوم أصبح أكثر وعيا، ولم يعد من السهل إقناعه بالشعارات أو بالوعود الانتخابية وحدها.
وفي الحوز، حيث ما تزال قضايا التنمية وفك العزلة عن المناطق القروية وإعادة الإعمار والطرق والماء والخدمات الأساسية في صلب انتظارات الساكنة، فإن نتائج الانتخابات ستكون لها تداعيات على الخريطة السياسية المحلية.
لقد دخلت مرحلة جديدة عنوانها:
الساكنة تريد من يمثلها، لا من يتحدث باسمها فقط.
الأحرار أمام امتحان صعب
تراجع التجمع الوطني للأحرار من صدارة انتخابات 2021 إلى المرتبة الثانية في 2026 يفرض على الحزب وقفة سياسية حقيقية.
فالأرقام الرسمية وضعت الحزب في المرتبة الثانية بـ66 مقعداً، خلف الأصالة والمعاصرة.
وهذا التراجع لا يمكن قراءته فقط باعتباره نتيجة انتخابية، بل ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة تجربة المرحلة الحكومية السابقة، وطريقة التواصل مع المواطنين، ومدى نجاح السياسات العمومية في الاستجابة لمطالب الطبقة المتوسطة والشباب والفئات الهشة.
عودة العدالة والتنمية.. إنذار أم فرصة؟
أما حزب العدالة والتنمية، فقد عاد إلى البرلمان بـ54 مقعدا، بعدما كان حضوره في انتخابات 2021 قد تراجع إلى 13 مقعدا فقط.
هذه العودة تعني أن الحزب لم ينته كما توقع البعض، وأن لديه قدرة على إعادة بناء نفسه واستعادة جزء من قواعده الانتخابية.
لكن التحدي أمامه أكبر من مجرد العودة إلى البرلمان.
فهل يستطيع التحول إلى معارضة قوية ومسؤولة؟
وهل سيتمكن من تقديم بدائل حقيقية بدل الاكتفاء بانتقاد الحكومة؟
هذه الأسئلة ستحدد موقعه في المرحلة السياسية المقبلة.
السؤال الأخطر: أين المواطن؟
وسط كل هذه الحسابات الحزبية، يبقى السؤال الأهم:
ماذا عن المواطن المغربي؟
الانتخابات انتهت، والنتائج أعلنت، ورئيسة الحكومة الجديدة كُلفت بتشكيل حكومتها، لكن المواطن ينتظر الآن نتائج ملموسة.
-ينتظر الشغل.
-ينتظر تحسين القدرة الشرائية.
-ينتظر مستشفى يحترم كرامته.
-ينتظر مدرسة عمومية أفضل.
-ينتظر إدارة أكثر فعالية.
-وينتظر عدالة مجالية حقيقية بين المدن والقرى والمناطق الجبلية.
كما أن الحكومة المقبلة تدخل مرحلة شديدة الحساسية، في ظل الاستعدادات المرتبطة باستحقاقات ومشاريع كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 والاستثمارات والبنيات التحتية المرتبطة به.
الانتخابات انتهت.. لكن الامتحان بدأ
الربح الانتخابي لا يعني نهاية المعركة السياسية، بل بدايتها.
حزب الأصالة والمعاصرة أصبح أمام مسؤولية تاريخية، وفاطمة الزهراء المنصوري أمام أصعب امتحان سياسي في مسارها.
أما الأحزاب التي تراجعت، فعليها أن تسأل نفسها بصدق: لماذا فقدت جزءاً من ثقة الناخبين؟
والأحزاب المعارضة مطالبة بدورها بأن تقدم معارضة حقيقية، قوية ومسؤولة، لا معارضة المناسبات.
وفي النهاية، فإن المواطن هو من سيصدر الحكم الحقيقي.
ليس في صناديق الاقتراع هذه المرة، وإنما في الشارع، وفي الحياة اليومية، ومن خلال سؤال بسيط:
هل تغير شيء؟
فإذا تحسنت الأوضاع، ستستعيد السياسة ثقة المغاربة.
وإذا بقيت الوعود أكبر من الإنجازات، فإن انتخابات 2026 لن تكون سوى بداية أزمة ثقة جديدة.
لقد انتهت معركة الصناديق.. وبدأت الآن معركة الثقة.