من يحاسب اليأس؟ قراءة في مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

لا يمكن اختزال المشاهد التي عرفتها الحدود الفاصلة مع سبتة المحتلة في الأيام الأخيرة في مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، ولا في حدث أمني عابر يقاس بعدد الموقوفين أو بمدى نجاح القوات الأمنية في احتواء الوضع. فالمشهد، بكل ما حمله من صور مؤلمة لشباب يتدافعون نحو المجهول، يكشف عن أزمة أعمق من مجرد الرغبة في عبور الحدود. إنها أزمة إنسان يبحث عن معنى لحياته، وعن مكان يشعر فيه بأن مستقبله يستحق أن يعاش.

إن أخطر ما في تلك المشاهد ليس محاولات العبور في حد ذاتها، بل الرسالة التي تحملها. فعندما يختار شاب أن يغامر بحياته، وأن يواجه البحر أو الأسلاك الشائكة أو احتمالات الاعتقال والترحيل، فإنه يكون قد تجاوز مرحلة التفكير العقلاني في المخاطر، ووصل إلى قناعة بأن البقاء في واقعه أكثر قسوة من مواجهة المجهول. وهنا لا يعود السؤال: كيف نمنع الهجرة؟ بل يصبح: لماذا فقد هؤلاء ثقتهم في المستقبل داخل وطنهم؟

لقد أظهرت الصور المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي وجوها يائسة، وملامح أنهكها الانتظار، وأجسادا تتدافع تحت ضغط حلم يبدو بعيد المنال. ولم تكن تلك الصور مجرد مادة إعلامية عابرة، بل كانت شهادة بصرية على حالة اجتماعية ونفسية تستدعي وقفة صادقة، بعيدا عن منطق الاتهام أو التبرير.

قد يكون من السهل تفسير ما جرى بعوامل خارجية، أو ربطه بشبكات الهجرة السرية، أو باستغلال بعض الجهات لأوضاع الشباب، وهي عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها. غير أن الاقتصار على هذه القراءة يعني تجاهل أصل المشكلة. فشبكات التهريب لا تصنع اليأس، وإنما تستثمر فيه. والهجرة غير النظامية ليست سبب الأزمة، بل إحدى نتائجها.

لقد ظل المغرب، خلال العقود الأخيرة، يحقق تقدما ملحوظا في العديد من المؤشرات الاقتصادية والبنيات التحتية. مشاريع كبرى، وموانئ عالمية، وطرق سيارة، وقطارات فائقة السرعة، واستثمارات ضخمة جعلت المملكة تحظى بإشادة العديد من المؤسسات الدولية. غير أن التنمية، مهما بلغت أهميتها، لا تكتمل بالأرقام وحدها، وإنما تقاس أيضا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين اليومية، وخاصة فئة الشباب.

فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل تحفظ كرامته، أو الذي يحمل شهادة جامعية دون أفق مهني واضح، أو الذي يعيش إحساسا متزايدا بالتهميش، لن تقنعه لغة المؤشرات الاقتصادية المجردة. ما يبحث عنه هو فرصة حقيقية، وعدالة في توزيع الإمكانات، وإحساس بأن جهده يمكن أن يثمر داخل وطنه.

لقد أصبحت الهجرة بالنسبة إلى كثيرين مشروع حياة، لا لأنها الطريق الأسهل، بل لأنها في نظرهم آخر الخيارات الممكنة. وهذا التحول يحمل دلالات خطيرة، لأنه يعكس تراجع الثقة في إمكانية تحقيق الذات داخل المجال الوطني.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، في طريقة تدبير هذا الملف. فمن حق أي دولة أن تحمي حدودها وأن تطبق قوانينها، لكن حماية الحدود لا ينبغي أن تتحول إلى مشاهد تمس الكرامة الإنسانية أو تجعل الإنسان مجرد رقم في معادلة أمنية.

إن القانون الدولي، كما تؤكد مختلف المواثيق الحقوقية، يوازن بين حق الدول في حماية حدودها وواجبها في احترام كرامة الإنسان، بغض النظر عن وضعيته القانونية. ولذلك فإن أي مقاربة أمنية خالصة، مهما بلغت نجاعتها، ستظل قاصرة إذا لم تستحضر البعد الإنساني لهذه الظاهرة.

وتزداد المفارقة وضوحا عندما ننظر إلى الواقع الديموغرافي الأوروبي. فأوروبا تعيش منذ سنوات تحديا حقيقيا يتمثل في شيخوخة السكان، وتراجع معدلات الولادة، وارتفاع الحاجة إلى اليد العاملة في قطاعات متعددة. وتشير تقارير عديدة إلى أن اقتصادات أوروبية كثيرة ستحتاج خلال العقود المقبلة إلى ملايين العمال للحفاظ على نشاطها الاقتصادي وأنظمتها الاجتماعية.

هذا الواقع يطرح سؤالا مشروعا: هل يمكن معالجة الحاجة الأوروبية إلى اليد العاملة بسياسات تقوم فقط على تشديد الرقابة الأمنية؟ أم أن المطلوب هو بناء شراكات أكثر عدلا مع دول الجنوب، تقوم على الهجرة القانونية والمنظمة، والاستثمار في الإنسان، بدل الاكتفاء بتحويل دول العبور إلى حراس للحدود؟

إن معالجة الهجرة بمنطق الردع وحده أثبتت محدوديتها. فكلما أغلقت طريق، ظهرت أخرى أكثر خطورة. وكلما اشتدت الرقابة، ارتفعت أرباح شبكات الاتجار بالبشر، وازدادت المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون. لذلك فإن الحلول الأمنية، رغم ضرورتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القادرة على إعادة بناء الأمل.

وفي الداخل، تبدو الحاجة ملحة إلى تجديد العقد الاجتماعي مع الشباب، عبر سياسات أكثر جرأة في التشغيل، وتحسين جودة التعليم، وربط التكوين بسوق الشغل، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتقليص الفوارق المجالية، ومحاربة كل أشكال الريع والفساد التي تضعف الإحساس بالعدالة وتغذي الشعور بالإقصاء.

فالأوطان لا تبنى فقط بالإسمنت والخرسانة، وإنما تبنى أيضا بالثقة. والثقة لا تفرض بالقوانين، بل تصنع حين يشعر المواطن بأن جهده مقدر، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن الفرص متاحة وفق الكفاءة والاستحقاق.

إن الكرامة ليست شعارا سياسيا، ولا مادة دستورية فحسب، بل هي أساس العلاقة بين المواطن ووطنه. وحين يشعر الإنسان بأن كرامته مصونة، يصبح أكثر استعدادا للدفاع عن وطنه والمساهمة في بنائه، مهما كانت الصعوبات. أما عندما تتآكل هذه القناعة، فإن الهجرة تتحول من خيار اقتصادي إلى تعبير عن أزمة انتماء.

لقد آن الأوان للنظر إلى الهجرة باعتبارها مؤشرا اجتماعيا يستحق القراءة العميقة، لا مجرد تحدٍ أمني يستوجب الردع. فخلف كل قارب متجه نحو الضفة الأخرى قصة إنسان، وخلف كل شاب يغامر بحياته حلم مؤجل، وخلف كل محاولة عبور رسالة صامتة تقول إن هناك خللا ينبغي إصلاحه.

إن المغرب يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية والمؤسساتية ما يؤهله لصناعة مستقبل أفضل لشبابه، لكنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى جعل الإنسان محور التنمية وغايتها، لا مجرد عنصر داخل معادلات اقتصادية أو أمنية. كما أن أوروبا مطالبة، إذا كانت تؤمن فعلا بقيم حقوق الإنسان، بأن تتعامل مع الهجرة باعتبارها قضية إنسانية وتنموية مشتركة، لا مجرد ملف لضبط الحدود.

وفي النهاية، تبقى الصورة الأكثر إيلاما ليست شابا يحاول عبور الحدود، بل وطنا يشعر بعض أبنائه بأن أحلامهم أصبحت أقرب إلى الضفة الأخرى منها إلى أرضهم. فالمعركة الحقيقية ليست على الأسلاك الشائكة، ولا عند نقاط العبور، وإنما داخل الإنسان نفسه. وحين ينتصر اليأس على الأمل، تصبح كل الحدود قابلة للعبور، ويصبح الوطن، رغم كل ما يملكه، عاجزاً عن الاحتفاظ بأغلى ثرواته: شبابه.

ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن كرامة الإنسان ليست ملفا أمنيا، ولا ورقة تفاوض سياسية، بل هي أساس الاستقرار والتنمية. فالدول التي تنجح في الاحتفاظ بشبابها ليست تلك التي تغلق الحدود بإحكام، وإنما تلك التي تفتح أمامهم أبواب المستقبل، وتجعلهم يؤمنون بأن الحلم يمكن أن يتحقق داخل أوطانهم قبل أن يبحثوا عنه في الضفة الأخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.